واصل مجلس النواب في اليوم الثاني على التوالي، جلساته العامة لمناقشة مشروع موازنة العام 2026، في جلسةٍ صباحية اتّسمت بسقفٍ مرتفع من الانتقادات، وتقاطعت فيها الملفات المالية مع عناوين الإصلاح والسيادة والسلاح والودائع والضرائب والقطاع العام، إلى جانب مشادات كلامية داخل القاعة، وتصاريح خاصة قبيل الجلسة وعلى هامشها، قبل أن يختتم النواب أعمالهم بالوقوف دقيقة صمت حدادًا على ضحايا انهيار المبنى في القبة – طرابلس.
دقيقة صمت لضحايا القبة – طرابلس
وخلال الجلسة، وقف النواب دقيقة صمت حدادًا على أرواح الضحايا الذين قضوا جراء انهيار المبنى في منطقة القبة في مدينة طرابلس.
الزرازير: "لا شرعية ولا غطاء لهذه الموازنة"
من مجلس النواب، اعتبرت النائبة سينتيا الزرازير أنّ قانون الفجوة المالية غير مجدٍ، وقالت إنّها لا ترى إلّا فسادًا وهدرًا، فيما الاقتصاد المنتج معدوم، لتختم موقفها بالقول: "لا شرعية ولا غطاء لهذه الموازنة".
ضاهر: خسرنا 5 مليارات… وحصر السلاح لجلب الاستثمارات
بدوره، أكّد النائب ميشال ضاهر أنّ لبنان "أضاع على الدولة 5 مليارات دولار بسبب تقاعسنا مع الحكومات والسماح لها في السابق بإبقاء الدولار الجمركي على سعر 1500".
وقال: "علينا في مجلس نواب أن نحاسب أنفسنا وأن نتخلّص من عقلية أنا ما دخلني لإعادة البلد إلى السكة السليمة".
ودعا إلى "حصر السلاح لجلب الاستثمارات"، كما تناول أخطاء الفجوة المالية، مقترحًا حلولًا لإنصاف المودعين.
راجي السعد: الإصلاح قرار داخلي… ودولة بلا حسابات
وفي كلمة مطوّلة خلال جلسة مناقشة مشروع موازنة 2026، شدّد النائب راجي السعد على أنّ مفهوم الإصلاح لا يمكن اختزاله بالشعارات أو بإرضاء الخارج، بل هو قرار داخلي شجاع يبدأ من داخل الدولة، وتحديدًا من إصلاح القطاع العام قبل أي استهداف للقطاع الخاص.
وأكد السعد أنّ الإصلاح يعني، وقف سلفات الخزينة التي تُصرف خارج الموازنة لضمان الشفافية، توسيع القاعدة الضريبية التصاعدية والانتقال من الضرائب غير المباشرة التي ترهق المواطنين إلى نظام ضريبي أكثر عدالة، وتحصيل الإيرادات المهدورة من الأملاك العامة البحرية والبرية والكسّارات، المقدّرة بمليارات الدولارات، بدل تحميل العبء المالي للناس.
واعتبر أنّ الإصلاح الحقيقي يقتضي تطبيق قانون العام 2017 وإعادة هيكلة القطاع العام بما ينصف الموظف الكفوء، منتقدًا الإبقاء على ما وصفه بـ“مزرعة” تضمّ نحو 32 ألف وظيفة غير قانونية دخلت عبر السياسة، في وقت تُترك بلا معالجة، فيما يُظلم الموظفون والعسكريون برواتب محتسبة على سعر صرف 15 ألف ليرة، متسائلًا: “هل هذا هو الإصلاح الذي وُعدنا به؟”.
ياسين ياسين: دعم مشروط… والواقعية لا يجب أن تتحوّل إلى قدر دائم
وقال النائب ياسين ياسين في مداخلته إنّ النواب التغييريين يدعمون رئيس الحكومة الحالي لأنهم يدركون حجم الخراب الذي ورثته الحكومة، لكن هذا الدعم "ليس شيكًا على بياض" بل مشروط بالإصلاح والشفافية والمصارحة.
وأضاف: "إذا أردنا أن نكون صادقين مع اللبنانيين، فهذه الموازنة ليست موازنة نهوض… هي موازنة إدارة مرحلة… لكن الخطر الحقيقي أن تتحول الواقعية إلى سقف دائم وأن نعتاد إدارة الانهيار بدل الخروج منه".
وفصّل ياسين ملاحظات رقابية على موازنة وزارة الاتصالات، معتبرًا أنّ زيادة الإيرادات المعلنة لا تعكس نموًا فعليًا، وطالب بإلزام الحكومة تقديم تفصيل رسمي لمنهجية التصنيف، وفصل الإيرادات إلى Voice وData، وبيان ما يدخل إلى الخزينة مقابل الإيرادات التشغيلية، محذرًا من “تمييع” النقاش المالي.
كما طرح أسئلة حول منطق السعي إلى الشراكة/التلزيم بدل الحوكمة الشفافة والإدارة الرشيدة، مطالبًا بكشف الصورة المالية الكاملة للخليوي، مشيرًا إلى تقرير ديوان المحاسبة 2022 الذي أظهر أنّ إيرادات الخليوي بين 2010 و2020 قاربت 17 مليار دولار وأن الإفراط في الإنفاق قارب 6 مليارات دولار.
وتناول ياسين قطاع البريد، لافتًا إلى اعتمادات تقارب 44.70 مليار ليرة من دون تسجيل أي إيراد، مطالبًا بكشف أين تسجل إيرادات البريد وحصة الدولة، والأساس القانوني لتحمّل الخزينة نفقات في قطاع يتولاه متعهد خاص، وجدولًا زمنيًا لإصلاحه.
كما توقف عند قفزة تجهيزات أوجيرو إلى نحو 50 مليون دولار من دون زيادة مقابلة في إيرادات الشبكة الثابتة، مطالبًا بربط الإنفاق بخطة مشاريع منشورة، وبالتفاصيل ومؤشرات القياس والمهل، ومشيرًا إلى مخاطر “ترحيل” الصرف عبر أوجيرو بما يشبه هندسة إجرائية قد تخفف القيود الرقابية بدل تعزيزها.
وتطرق إلى أنّ نحو 70% من نفقات قطاع الاتصالات تُصرف على شكل تحويلات أو مساهمات مالية بلا بنود واضحة، مطالبًا بتفصيل وجهة الصرف ومشاريع مرتبطة بكل تحويل وجداول زمنية ومؤشرات إنجاز قابلة للتحقق، كما انتقد تمويل الهيئة الناظمة للاتصالات بتحويلات من دون إظهار إيرادات ناتجة عن صلاحياتها.
وفي باب الإيرادات، انتقد استمرار الاعتماد على الضرائب غير المباشرة والـTVA التي يدفعها الجميع بالنسبة نفسها، داعيًا إلى عدالة ضريبية عبر الرقم الضريبي الوطني الموحّد (National Tax ID)، معتبرًا أنه يمنع الغش والازدواجية ويحوّل الدعم إلى دعم ذكي وموجه ويضيّق هامش التهرب.
وفي ملف الودائع، شدد على أنّها حق لملايين اللبنانيين ومدخل إلزامي لاستعادة الثقة، داعيًا إلى وضوح: من يتحمل الخسائر ودور الدولة والمصارف ومصرف لبنان.
قعقور: ضرائب بلا عدالة… وفضائح إيجارات الدولة
وقالت النائبة حليمة قعقور إنّ الموازنة لحظت ضرائب بلا عدالة، مؤكدة أنّ الحكومة احترمت المهل لكنها خرقت المادة 87 بالمخالفة الأساسية لعدم إرسال قطع الحساب.
وأضافت: “في جلسات لجنة المال لم أفهم يومًا الأرقام، أريد لائحة بكل الهبات العينية والنقدية”.
وعن الإيجارات للوزارات ومؤسسات الدولة، أشارت إلى “فضائح”، قائلةً إنّ “أحزابًا تؤجر وشركات تابعة لها تؤجر الدولة”.
وختمت: "الموازنة ليست دستورية وليست سيادية ولن أعطيها صوتي".
الجميل: "موازنة صف أرقام"… والاستثمارات غائبة
ورأى النائب سامي الجميل أنّ “الموازنة هي بكل بساطة مدخول الدولة ومصروفها والناس لديهم توقعات منا لإدخال الأموال”، داعيًا الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام إلى عدم السماح للروتين بتقليل الطموحات.
وأكد أنّه ليس مقبولًا إقرار موازنة من دون قطع الحساب، داعيًا إلى إقفال مزاريب الهدر والفساد، متسائلًا: إذا لم يقم بالأمر الرئيسان “فهل سيقوم به شركاء الفساد؟”.
وقال إن مدخول الدولة يأتي من الحركة الاقتصادية والاستثمارات، معتبرًا أنّ الاستثمارات غائبة لأن “لا أحد يستثمر في بلد فيه جماعات مسلّحة وحالة حرب”، داعيًا إلى محاربة الاقتصاد غير الشرعي واستعادة سيادة الدولة لجذب الاستثمارات، ومشددًا على الشراكة واحترام اللبنانيين لبعضهم.
افرام داخل الجلسة: أزمة متقاعدين ومأزق قانون انتخاب
وقال النائب نعمة افرام إنّ الدولة أثبتت أنها “رب عمل فاشل”، داعيًا إلى عمل كبير لاستعادة رؤوس الأموال.
وأضاف أنّ قضية المتقاعدين لن تُحل إذا لم يتدخل المجلس، مشيرًا إلى أنّ معظم الناس في القطاع العام يعيشون بـ“300 دولار” وهو أمر غير مقبول، ودعا إلى التعامل مع تعويضات نهاية الخدمة كأنها في سلّم الودائع الأساسية.
وردّ الرئيس بري بأن القانون يعمل عليه.
وفي ملف الانتخابات، اعتبر افرام أنه إذا كان القانون النافذ غير قابل للتطبيق والقانون القابل للتطبيق غير نافذ “فلنضع قانونًا جديدًا”، داعيًا إلى مجلس نواب ومجلس شيوخ في الوقت نفسه لأن الإصلاح يقتضي مجلس شيوخ فاعلًا.
مخزومي: "موازنة ترقيع"… والقطاع الصحي إلى انهيار
وقال النائب فؤاد مخزومي إنّ الموازنة مخالفة دستورية لأنها خالية من قطع الحساب.
واعتبر أنّ الجيش ليس بندًا عاديًا في الموازنة، وأن الدعم الدولي لا يجوز أن يكون بديلًا من الدولة.
ورأى أنّ الموازنة تكتفي بحلول ظرفية للقطاع العام والأساتذة، محذرًا من انزلاق القطاع الصحي نحو انهيار شامل، داعيًا إلى تخصيص اعتمادات واضحة لبلدية بيروت.
وشدد على أنّ مكافحة الفساد خيار مالي أساسي، وأن زيادة الإيرادات لا تبدأ من جيبة المواطن، معتبرًا أنّ الموازنة ترجمة للبيان الوزاري لكنها “موازنة ترقيع”.
رازي الحاج: 2% للمتقاعدين… والإصلاح يبدأ من القطاع العام
وقال النائب رازي الحاج إنّه يجب الالتفات إلى المتقاعدين لأنهم مسؤولية الدولة، مقترحًا تخصيص 2% من الموازنة للبدء بتطبيق مسودة مشروع مجلس الخدمة المدنية بإضافة 4 رواتب.
وأشار إلى الشغور في بعض الوزارات الذي بلغ 85%، معتبرًا أنّ المسار الأول للإصلاح هو إصلاح القطاع العام، والمسار الثاني تعزيز الإيرادات وإنقاذ الطبقة الوسطى الملتزمة القانون والدستور عبر الجمارك والإنترنت غير الشرعي وأملاك الدولة والامتثال الضريبي وتحصيل الضرائب، أما المسار الثالث فمقاربة الموازنة، معتبرًا أنّ الدولة تتهرب من الاعتراف بديونها.
محمد يحيى: ضرائب لا تُحتمل… وحصة عادلة لعكار
وأشار النائب محمد يحيى إلى أنّ موازنة من دون قطع حساب مخالفة كبيرة، لكنه أمل أن تكون حصة محافظة عكار عادلة ضمن الاعتمادات في الوزارات الخدماتية.
ولفت إلى ارتفاع الضرائب والرسوم بشكل لا يمكن احتماله، مطالبًا بإعادة النظر بسلسلة الرتب والرواتب، وتطرق إلى أوتوستراد الشمال وملف الجامعة اللبنانية في عكار والحاجة الملحة للمباني الجامعية، مشيرًا إلى إلغاء المبالغ المخصصة لوزارة التربية.
مشادة "ميليشيا" داخل القاعة… وبري يوقف السجال
وشهدت الجلسة مشادة كلامية حادة على خلفية استخدام مصطلحات أثارت جدلًا.
وبدأت خلال مداخلة الجميل حول كلمة “ميليشيا”، ما دفع النائب علي المقداد إلى الاعتراض: “وردت كلمة يجب أن تُشطب وهي المليشيا”.
وردّ بري بأن المقصود ليس المقاومة، لكن المقداد قال: “إذا كان هناك من ميليشيات فليسميها… نحن في محضر رسمي”.
وعاد بري ليؤكد: “خذ من الكلمة الكلام الطيب، ليس المقصود المقاومة”.
وتدخل النائب ميشال معوّض مشيرًا إلى أنّ كلمة “ميليشيات” واردة في اتفاق الطائف، ثم قال النائب أشرف ريفي: “هذه لحظة المصارحة… وهذا الكلام يمثلنا جميعًا”.
ليحسم بري النقاش قائلاً لريفي: "مش عم إسألك، خلص يا أشرف".
مشادة الوقت: يعقوبيان تعترض وبري يردّ
كما اعترضت النائبة بولا يعقوبيان على إعطاء بعض النواب وقتًا طويلًا للحديث، وقالت بعد إنهاء قعقور كلمتها: “فيه نواب عطيتوهن ساعة وما حدا قلن شي”.
فأجاب بري: “حكيتي نصف ساعة”.
وردّ بو صعب: “هي طلبت”.
وقال بري: “هي يلي طلبت… انتي ما معك خبر شي”، لترد يعقوبيان: “معي خبر وبعرف شو عم بحكي… ساعة حكيو”.
وختم بري: “حليمة قالت مبارح بدي اختصر لربع ساعة”.
تصاريح قبيل الجلسة
وعلى هامش الجلسة العامة في يومها الثاني، قال النائب نعمة افرام في تصريح لـ"RED TV" إنّ الكلام الصادر عن الشيخ نعيم قاسم غير مقبول ويشكّل “طلاقًا مع لبنان”، معتبرًا أنّ الأولوية فيه ليست لبنانية بل “إيرانية – فارسية”. وأضاف: “نحن لبنانيون… والخطر يطال لبنان بأكمله”، واصفًا الأمر وطنيًا بـ“الخيانة العظمى”.
وفي ما خص ما تردد عن زلة لسان للرئيس بري حول القانون الانتخابي، أشار افرام إلى أنّ بري لم يؤكد أنها زلة لسان، وأنه شدد على أنه سيتناول الملف في كلمته. وأوضح أنّ إجراء الانتخابات النيابية عالق سياسيًا ودستوريًا، وأن القانون النافذ لا يطبق لأنه يحتاج مراسيم تطبيقية، كاشفًا أنّ القانون الذي تقدم به مع زملائه لتصويت المغتربين قد يشكّل حلًا.
وأكد افرام لاحقًا في مداخلته داخل الجلسة أنّ حتى لو اتُّخذ اليوم قرار إجراء الانتخابات في أيار المقبل، فإن القانون النافذ غير قابل للتطبيق، ما يفرض خيار قانون جديد أو تعديلات وفتح المهل مجددًا، محذرًا من إهانة أمام الرأي العام، ومكررًا الدعوة إلى مجلس شيوخ فاعل.
وفي تصريح آخر لـ"RED TV"، اعتبر النائب إيهاب مطر أنّ الموازنة غير عادلة، وأن صرخات الشارع تؤكد مطالب محقّة لا تغطيها الموازنة. وقال إن موازنة بنحو 6 مليارات دولار تُدار بها البلاد بصعوبة والجزء الأكبر رواتب تحت الحد الأدنى المقبول، معتبرًا أنها لا تلبي الاحتياجات اليومية ولا تتضمن خططًا إنمائية أو استثمارية.
وتوقع مطر أن أي انفراج سياسي قد يفتح الباب لانفراجات مالية عبر مساعدات أو خطط دعم، مشددًا على مسؤولية الجميع للوصول إلى حل سياسي يحمي الشعب ويعزّز الإيرادات ويحسّن الاقتصاد.
وعن المواقف السياسية، قال إن كلام حزب الله واضح لجهة عدم التزامه بالقرارات اللبنانية، متمنيًا أن يعود إلى لبنانيته وأن تحكمه العقلانية وأن تكون مصلحة لبنان أولًا، رافضًا أي فكرة تؤدي إلى الدمار أو تعريض اللبنانيين للخطر، داعيًا إلى وحدة اللبنانيين حول مصلحتهم الوطنية.
وفي مشهد تفاعلي داخل القاعة خلال نقاش مجلس الشيوخ، علّق النائب أديب عبد المسيح قائلاً: “شكراً شيخنا”، ليردّ النائب فريد الخازن مازحًا: "حضرتك الشيخ… أنت عبد المسيح دوبل جاي".