كأنَّ الانهيارَ الكبيرَ لم يقدم درساً كافياً، وكأنَّ الذاكرةَ الاقتصاديةَ اللبنانيةَ مصابةٌ بثقبٍ أسود. أرقامُ التجارةِ الخارجيةِ لعام 2025 تعيدُنا إلى المربعِ الأول؛ عجزٌ هائلٌ في الميزانِ التجاري تجاوزَ الـستةَ عشرَ مليارَ دولار في أحدَ عشرَ شهراً فقط. لبنانُ الذي حلمَ بإنتاجٍ محليٍ بعد نكبةِ 2019، يعودُ اليوم ليستوردَ خمسةَ أضعافِ ما يصدر، في مشهدٍ يعكسُ "إدماناً" مزمناً على الاستهلاكِ.
لغةُ الأرقامِ لا تجامل فاتورةُ الاستيرادِ قفزت بنسبة 23% لتلامسَ عتبةَ العشرينِ مليارَ دولار. مرفأُ بيروت يتربعُ على عرشِ الصدارةِ بنسبة 60% من هذه الواردات، فيما تحتل الصين المرتية الاولى في الدول المصدرة للبنان. لكن المفارقةَ تكمنُ في "نوعية" ما نستورد؛ فالمنتجاتُ المعدنيةُ والأحجارُ الكريمةُ تلتهمُ الحصةَ الأكبر، بينما تبقى صادراتُنا خجولةً لا تغطي سوى 16% من كلفةِ ما نشتريه من الخارج.
يُجمع الخبراءُ الاقتصاديون على أنَّ لبنان انزلقَ مجدداً إلى "فخ" الاستيراد المفرط، متجاوزاً قيمَ ما قبل أزمة عام 2019. ورغم ما يوحيه هذا الارتفاع من نموٍ ظاهريٍ في الحركة التجارية، إلا أنَّ القراءةَ المتأنية تكشفُ عن "فجوة قاتلة" بين صادراتٍ خجولة ووارداتٍ تلتهمُ الأخضر واليابس؛ إذ بات لبنانُ يؤمّن 85% من حاجاته الاستهلاكية من الخارج، في مؤشرٍ يعكسُ استنزافاً غير صحي للكتلة النقدية.
وفي استحضارٍ لـ "ذاكرة عام 2019" الأليمة، ينبّه المحللون إلى أنَّ الاستقرار الحالي ليس محكوماً بقاعدة صناعية أو زراعية صلبة، بل هو استقرارٌ هشٌّ معلقٌ بميزان تدفقاتٍ متقلب؛ ما يعني أنَّ أيَّ اهتزازٍ في وتيرة التحويلات الخارجية، قد يضع البلاد مجدداً أمام سيناريو شُحِّ الدولار واهتزازِ سعر الصرف.
بين فائضٍ في الموازنةِ العامةِ بفضلِ مبادراتِ القطاعِ الخاص، وعجزٍ تجاريٍ يهددُ الهيكلَ المالي، يبقى السؤالُ معلقاً: هل يحتاجُ المسؤولُ اللبنانيُ إلى انهيارٍ ثانٍ ليستوعبَ أنَّ الدولةَ التي لا تُنتجُ ما تأكل، تبقى رهينةً لتقلباتِ الخارجِ وقروضِ المستوردين؟