بعد إعلان وزير الداخلية عن توقيع مرسوم “دعوة الهيئات الناخبة” وتحديد يوم 3 أيار 2026 موعدًا لإجراء الانتخابات النيابية، كشفت معلومات “ليبانون ديبايت” أن المرسوم حدّد أيضًا موعد اقتراع اللبنانيين في الخارج قبل أسبوع من اقتراع الداخل، ما أعاد طرح السؤال الأساسي: هل دخل لبنان فعليًا في المسار الانتخابي، أم أن الخطوة تبقى ضمن الإطار الشكلي؟
مصادر متابعة تؤكد لـ”ليبانون ديبايت” أن مرسوم دعوة الهيئات الناخبة لا يشكّل بحد ذاته ضمانة لإجراء الانتخابات، بل هو إجراء قانوني ملزم لوزارة الداخلية ضمن روزنامة محددة، إذ يفترض أن تصدر الدعوة قبل 90 يومًا من موعد الانتخابات.
وبما أن موعد 3 أيار 2026 حُدد للاقتراع في الداخل، فهذا يعني أن الدعوة ونشر المرسوم في الجريدة الرسمية يجب أن تتم قبل أو بحلول 2 شباط 2026، أي خلال أيام قليلة، ما يفسّر توقيت إصدار المرسوم بوصفه استجابة لمهلة إلزامية لا يمكن تجاوزها.
لكن، وفق المصادر، لا تكمن العقدة في الدعوة ولا في تحديد الموعد، بل في المرحلة التالية الأكثر حساسية: فتح باب الترشح، والذي يتطلب أساسًا تحديدًا واضحًا للمقاعد التي سيترشح عليها الأشخاص وشروط الترشح وآليات الانتخاب، وخصوصًا ما يتعلق بمقاعد الدائرة 16 الخاصة بالمغتربين.
وتشير المصادر إلى أن القانون النافذ لا يقدم أجوبة عملية حول كيفية الترشح على أحد المقاعد الستة المخصصة للمغتربين، ولا يوضح آلية توزيعها الطائفي والمذهبي، ولا يحدد النظام الانتخابي المعتمد في هذه الدائرة: هل سيكون أكثريًا أم نسبيًا؟ ما يجعل فتح باب الترشح، في ظل هذا الغموض، مسألة شبه مستحيلة.
وفي هذا السياق، تلفت المصادر إلى أن جوهر الخلاف يتمحور حول كيفية إجراء الانتخابات في الخارج. فحتى لو دعت الحكومة الهيئات الناخبة في الداخل والخارج، يبقى السؤال المركزي: كيف ستُجرى انتخابات المغتربين وعلى أي أساس قانوني وتنظيمي؟
وتذكر المصادر أن الحكومة كانت قد أحالت مشروع قانون إلى مجلس النواب لتعديل قانون الانتخاب الحالي، متضمّنًا إلغاء مواد أساسية وعلى رأسها الدائرة 16، والعودة إلى اعتماد انتخاب المغتربين في أماكن قيدهم في لبنان كما حصل في الدورة السابقة. وقد بررت الحكومة هذا التوجه في الأسباب الموجبة بالقول إن إصدار المراسيم التطبيقية اللازمة ليس من صلاحياتها، بل يتطلب تدخلًا تشريعيًا من مجلس النواب.
في المقابل، تتمسك كتل نيابية وازنة، وخصوصًا رئيس مجلس النواب، بضرورة تطبيق القانون النافذ كما هو، ما أدى إلى اشتباك سياسي ودستوري بين السلطتين: الحكومة تقول إنها عاجزة عن تطبيق قانون غير قابل للتنفيذ من دون تشريع، فيما المجلس النيابي يرفض تعديل النص ويتمسك بفرض تطبيقه.
وبحسب المصادر، فإن الأزمة ستظهر عمليًا اعتبارًا من يوم الإثنين، وهو الموعد الذي يُفترض أن يُفتح فيه باب الترشح، إذ إن فتح الباب دون وجود قواعد واضحة للدائرة 16 ودون مراسيم تنظيمية تحدد آلية الترشح والانتخاب، سيحوّل الإجراء إلى ما تصفه المصادر بـ”هرطقة قانونية”، لأن الدولة ستطلب من المواطنين الترشح من دون أن تحدد لهم على أي مقاعد وبأي شروط وبأي نظام.
وتضيف المصادر أن خطورة الأمر تتضاعف لأن باب الترشح يُقفل بعد 30 يومًا، ما يضع البلاد أمام سباق مهل لا يمكن تجاوزه، ويطرح سؤالًا لا يمكن الالتفاف عليه: إذا كان المرشحون في الخارج سيترشحون على مقاعد مخصصة لهم، فكيف يتم ذلك عمليًا؟ وأين سيكون المقعد الكاثوليكي: في أفريقيا أم في أميركا أم في أستراليا؟ وكيف توزع بقية المقاعد؟ ومن يملك صلاحية وضع هذه الآلية؟
وتخلص المصادر إلى أن لبنان ليس أمام “تأجيل تقني” بالمعنى المتداول، لأن التأجيل التقني يفترض ظروفًا قاهرة كالحرب أو الكوارث الطبيعية. أما هنا، فالعلة قانونية-تنفيذية: قانون لا يمكن تطبيقه كما هو، وسلطتان تتبادلان المسؤولية، ووقت ضائع منذ نحو سنة من دون نتائج، ما يجعل أي تأجيل محتمل أقرب إلى تمديد طويل الأمد.
وتختم المصادر بانتقاد لاذع لأداء الحكومة، معتبرة أنها تتعامل مع ملف الانتخابات كعبء يجب التخلص منه لا كاستحقاق دستوري يجب إنجازه، إذ تترك واحدة من أخطر العقد الانتخابية – الدائرة 16 وانتخاب المغتربين – معلّقة بلا حلول، فيما تنشغل بملفات جانبية وتفاصيل سياسية وإدارية لا تقدم ولا تؤخر، في وقت يُفترض أن تكون كل طاقة الدولة موجّهة لتأمين انتخابات فعلية لا مجرد مواعيد ومراسيم.
وتضيف المصادر أن ما يجري يوحي بأن الحكومة تسير بعكس اتجاه الانتخابات: تتجاهل جوهر المشكلة، وتُمعن في إدارة الوقت بدل إدارة الحل، ثم تترك الباب مفتوحًا أمام سيناريو الفوضى القانونية، بما يجعل السلطة التنفيذية شريكًا مباشرًا في تعطيل الاستحقاق، لا مجرد طرف “ينتظر” توافق مجلس النواب.
وختمت المصادر بالتأكيد أن المسار الانتخابي يبدو قائمًا من حيث الشكل عبر الدعوة وتحديد المواعيد، لكنه معطل من حيث الجوهر، معتبرة أن إجراء الانتخابات قد لا يصبح ممكنًا إلا إذا تدخلت “العواصم الخارجية” مجددًا لفرض تسوية، كما حصل في محطات مفصلية سابقة، من انتخاب رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى الضغط على الحكومة في ملفات مالية وتشريعية.
وبذلك، ترى المصادر أن السؤال لم يعد: متى حُدد موعد الانتخابات ومتى صدرت الدعوة؟ بل: هل تملك الدولة القدرة القانونية والتنظيمية لفتح باب الترشح وتنفيذ الاستحقاق؟ أم أن البلاد تتجه إلى تمديد طويل تحت عناوين مختلفة، بانتظار ضغط خارجي يجبر المؤسسات على اتخاذ القرار؟