المحلية

وليد خوري

وليد خوري

ليبانون ديبايت
الجمعة 30 كانون الثاني 2026 - 15:13 ليبانون ديبايت
وليد خوري

وليد خوري

ليبانون ديبايت

بعيدًا عن السياسة… ماذا فعل جعجع البارحة؟

بعيدًا عن السياسة… ماذا فعل جعجع البارحة؟

“ليبانون ديبايت” - وليد خوري

أطلّ مساء أمس، الخميس، رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع في مقابلة تلفزيونية ضمن برنامج “صار الوقت” مع الإعلامي مارسيل غانم، في حلقة حضر فيها جمهور من مناصريه، وتناولت ملفات سياسية وخدماتية حساسة، في مقدّمها ملف الكهرباء، إلى جانب سياق الاستحقاقات المقبلة.

ما ميّز هذه المقابلة أكثر من أي شيء آخر كان أسلوب المقاربة التي اعتمدها جعجع في الردّ على الأسئلة. فالبرنامج، المعروف بجديته وجرأة أسئلته، حاول أن يفتح النقاش على ملفات الناس، وأن يذهب إلى التفاصيل التقنية التي ينتظرها اللبنانيون، خصوصًا في ملف الكهرباء. وقد بدا واضحًا أنّ غانم حاول أكثر من مرة شدّ الحوار إلى هذا الاتجاه، وطرح أسئلة تلامس وجع اللبنانيين اليومي وتبحث عن أجوبة مباشرة.


غير أنّ الإجابات، في معظم الفقرات، لم تذهب في المسار نفسه. إذ بدا أنّ جعجع أخذ النقاش تدريجيًا من منطق التفصيل والتفسير إلى خطاب سياسي سجالي، طغت عليه السخرية والتهكم أكثر مما طغت عليه الأجوبة المباشرة أو الأرقام أو الخطط.


وفي هذا الإطار، حاول جاهداً غانم طرح أسئلة جدية وأخذ النقاش حول الملفات مثل الكهرباء وغيرها إلى نقاش تقني، لكن جعجع لم يكن متسلحاً إلا بالهضامة. فبدل أن يجيب بالتقني ويفنّد إنجازات القوات اللبنانية في وزارة الطاقة، ذهب إلى التهجم الشخصي على الوزير جبران باسيل والوزيرة ندى البستاني باستعمال تعابير مثل “الفنكلوزة” و”ابن اللاهيا”، و”أقوى رئيس جامعة بالنصب والكذب” حتى أن جعجع لم يتورع عن شتم والدة باسيل من خلال قوله إن أيام الثورة كانوا محقين الثوار بالشتيمة التي كالوها لوالدة باسيل من خلال أغنية “هيلا هيلا هو”.


ولا يمكن المرور على هذه النقطة مرور الكرام. فالمسألة لا تتعلق بسجال سياسي فقط. بل تتصل بخطاب ينحدر إلى مستوى التطبيع مع الإهانة عندما تكون موجّهة إلى امرأة. وهذا الأمر لا يطال فقط سياسية منتخبة مثل النائب ندى البستاني. بل يطال أيضًا والدة سياسي مثل والدة النائب جبران باسيل. فأن يسمح جعجع لنفسه، على الهواء، بتأييد شعارات بذيئة طاولت والدة باسيل خلال أحداث الثورة، يعني عمليًا تبرير هذا الانحدار الأخلاقي. كما يعني منح شرعية لأي جمهور كي يعيد تكرار الإهانة وإنتاجها.


وهنا تبرز علامة استفهام كبيرة: أين الجهات النسائية والهيئات المعنية بحقوق المرأة من هذا السلوك؟ وكيف يمكن لهذه الجهات أن ترفع شعار حماية المرأة وتمكينها، ثم تصمت عندما تُستباح كرامة امرأة فقط لأنها “والدة خصم سياسي”؟


ومن هنا يبرز سؤال إنساني وأخلاقي مشروع: هل فكّر الدكتور جعجع بتداعيات هذا النوع من الخطاب على أولاد النائب ندى البستاني؟ هل تساءل عن نظرات زملائهم في المدرسة، أو عن موجات التنمّر التي قد يتعرّضون لها من طلاب متأثرين بخطابه؟ وهل استوعب حجم الأذى النفسي الذي قد يخلّفه هذا الأسلوب على امرأة وأم وسياسيّة، لمجرّد اختلاف سياسي معها؟


ومن الطبيعي هنا أن يطرح اللبناني سؤالًا أساسيًا: هل بهذه الطريقة تُناقَش أزمة الكهرباء؟ وهل يُنتظر من شخصية تقدّم نفسها كـ”ممثل سياسي أول للمسيحيين” أن تُجيب على ملفات الدولة بمنطق السخرية والتهكم بدل تفنيد الوقائع وتقديم خطط قابلة للتطبيق؟ وما قيمة الشعارات الانتخابية التي رُفعت سابقًا من نوع “نحن بدنا وفينا”، إذا كان النقاش يتحول عند أول اختبار إلى حفلة تجريح واستعراض؟


ثم إنّ المشكلة ليست فقط في “الأسلوب”، بل في مضمون ما قُدّم كتبرير. فهل يكفي القول إن الدول تمتنع عن تمويل الكهرباء في لبنان بسبب سلاح حزب الله؟ وهل تكفي الإشارة إلى أنّ الكهرباء هي “أخطاء متراكمة” من أيام وزراء التيار الوطني الحر؟ وهل هذه هي الأجوبة التي ينتظرها اللبناني من شخصية سياسية قدّمت نفسها لسنوات كجزء من مشروع “الدولة” والإصلاح؟


وهنا يبرز سؤال منطقي إضافي: ألم تكن هذه الوقائع معروفة قبل الدخول إلى السلطة؟ ألم تكن كل هذه الملفات مطروحة سابقًا؟ أم أنّ الخطاب الانتخابي شيء، والواقع شيء آخر؟ وهل بات المطلوب من الناس أن تكتفي بتبادل الاتهامات بدل الحصول على حلول؟


حتى إن حديث جعجع عن أن الانتخابات النيابية ستجري وفق القانون الحالي وأن المغتربين يستطيعون التصويت لـ128 مقعدًا، رأى فيه البعض كلامًا غير قانوني وخياليًا ويفتقد إلى الدقة والمسؤولية.


ومن هنا، يبرز سؤال أوسع يتجاوز الحلقة: هل ما شاهدناه هو نموذج مبكر للحملة الانتخابية المقبلة؟ هل تتحول السياسة في لبنان إلى مساحة للكوميديا الساخرة بدل النقاش الجدي؟ من الدبكة الشعبية إلى فولكلور الأغاني الشعبية، وصولًا إلى التهكم الشخصي… هل هذه هي الأدوات التي ستُعتمد في المرحلة المقبلة بدل البرامج والخطط التنفيذية القابلة للتطبيق؟


أما على المستوى الحقوقي، فيبرز تساؤل لا يقل أهمية: أين هي المنظمات الحقوقية في لبنان، وتلك التي ترصد ميزانيات ضخمة وتعقد مؤتمرات متواصلة بالتنسيق مع الهيئة الوطنية لشؤون المرأة من أجل تشجيع النساء على الانخراط في العمل السياسي؟ كيف تلتزم الصمت أمام تعرّض سياسية لبنانية لأحد أكثر أشكال التنمّر الذكوري فجاجة، صادر عن شخصية عامة لها تأثير واسع، بما يشبه منح مناصريها “ترخيصًا أخلاقيًا” لممارسة الإساءة، وهو ما ظهر جليًا على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي؟


وما الجدوى من إنفاق كل هذه الأموال على تشجيع المرأة على دخول الحياة السياسية، إذا كانت السياسة نفسها تتحول إلى مساحة للإذلال والتنمر وإيذاء النساء وأطفالهن وعائلاتهن؟


إنّ ما قام به جعجع يستدعي وقفة ضمير وموقفًا واضحًا، لا دفاعًا عن فريق سياسي بعينه، بل دفاعًا عن كرامة المرأة، وعن الإنسان في لبنان، ورفضًا لسياسة التجريح والإقصاء التي تطال أي طرف سياسي. فالتنمّر السياسي، أيًّا يكن مصدره، لا يلقى قبولًا لدى اللبنانيين، بل يولّد رفضًا واسعًا وتعاطفًا طبيعيًا مع من يتعرضون له.


اللبنانيون لا يريدون من السياسي أن يكون “مهرّجًا”، ولا يريدون منه أن يكون “خطيبًا” فقط. يريدون منه أن يكون مسؤولًا.

يريدون أجوبة، لا تهكمًا.

يريدون خططًا، لا استعراضًا.


فهل هكذا تُدار ملفات الدولة؟

وهل هكذا تُناقَش أزمة الكهرباء؟

وهل يُعقل أن يحوّل جعجع الشاشة إلى مساحة للتنمّر بدل أن تكون مساحة للمساءلة؟


لبنان يريد دولة… لا “قفشات”.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة