"ليبانون ديبايت" - محمد المدني
كان لافتًا في توقيته ودلالاته، ما قاله النائب أديب عبد المسيح في جلسة مناقشة الموازنة عندما تطرّق إلى احتمال تقديم اقتراح قانون لتأجيل الانتخابات، مستخدمًا عبارة توحي بالصدق المباشر "فلنكن صريحين مع بعضنا". هذه الجملة بحدّ ذاتها كسرت السقف غير المعلن الذي يحكم هذا الملف، وأخرجت النقاش من الغرف المغلقة إلى قاعة الهيئة العامة.
السؤال هنا، "هل ما قاله عبد المسيح نابع من قناعة شخصية؟ أم أنه التقط إشارات سياسية سبقت الجلسة؟ أم أن الرجل لعب دور "المرسال" أو "الأرنب" لإطلاق الفكرة واختبار ردود الفعل، من دون أن تُنسب رسميًا إلى جهة أو فريق؟
الأوضح أن ما قيل لا يمكن فصله عن مناخ سياسي قائم، يتكرّر فيه تعبير واحد بصيغ مختلفة، وهو "التأجيل التقني". هذا المصطلح يُسوَّق على أنه حلّ اضطراري، لا خيار سياسي، ويُربط تلقائيًا بالوضع الأمني، والانهيار الاقتصادي، والصعوبات الإدارية واللوجستية. لكن التدقيق يكشف أن هذا الخطاب، على كثافة تداوله، ما زال يفتقد إلى صاحب قرار واضح مستعد لتحمّل مسؤوليته علنًا.
المفارقة الأساسية أنّ الإكثار من الحديث عن التأجيل قد يؤدي عمليًا إلى نتيجة معاكسة تمامًا. فحين يتحوّل "التأجيل التقني" إلى مادة نقاش علني، يزداد القلق الداخلي، ويُستنفَر المجتمعان السياسي والدولي، ويرتفع منسوب الضغط باتجاه حماية الاستحقاق بدل تعليقه. في بلد كلبنان، أي مسّ بمواعيد الانتخابات لا يُقرأ إجراءً إداريًا، بل يُترجم فورًا كضربة للشرعية، وكمؤشر على فقدان الثقة وبالقدرة على إدارة الدولة.
وهنا تبرز دلالة بالغة الأهمية: خطوة وزارة الداخلية بإعلان دعوة الهيئات الناخبة والتي تعتبر رسالة سياسية مباشرة تقول إن الدولة، حتى الساعة، تتصرف على قاعدة أن الانتخابات قائمة وفي موعدها، وأن أي خروج عن هذا المسار يحتاج قرارًا استثنائيًا وكلفة عالية لا يبدو أن أحدًا مستعد لتحمّلها.
من هذا المنظار، يصبح كلام أديب عبد المسيح أشبه ببالون اختبار سياسي أكثر منه إعلان توجه نهائي. بالون أُطلق في لحظة حسّاسة لقياس حرارة المجلس، لا لفرض مسار محدّد. لكن التجربة اللبنانية تقول إن بالونات من هذا النوع غالبًا ما تنقلب على مطلقيها، إمّا تُسقِط الفكرة، أو تسرّع الاتجاه المعاكس لها.
الخلاصة أنّ لبنان اليوم يقف أمام معادلة دقيقة، وهي نقاش علني عن تأجيل بلا حامل سياسي واضح، في مقابل خطوات رسمية تؤكد الالتزام بالاستحقاق. وبين هذا وذاك، يبدو أن كلفة تعطيل الانتخابات قد تكون أعلى من كلفة إجرائها، مهما بلغت الصعوبات. ولذلك، فإن ما يُسوَّق كتأجيل تقني قد ينتهي، بتكريس خيار إجراء الانتخابات في موعدها، لا الهروب منها.