"ليبانون ديبايت" - باسمة عطوي
من منا لم يضطرّ للجوء إلى “سمسار” أو تقديم رشوة لموظف في الدولة لإنهاء معاملته ضمن الوقت المحدّد؟ الجواب أن معظم اللبنانيين اضطروا إلى اتباع هذا الأسلوب بسبب البيروقراطية وعدم المكننة في الإدارات العامة (قبل الانهيار المالي). أما بعده، فإن الإضرابات المتكررة والدوام الجزئي لموظفي الدولة يدفعان الكثير من أصحاب المصالح إلى اللجوء لسمسار أو مُخلّص معاملات، أو تقديم رشوة لموظف، لإنهاء معاملته.
صحيح أنه لا يمكن التعميم، وأن في الإدارة العامة عناصر جيدة ومنضبطة تؤدي واجباتها بكل أمانة ومن دون أي مقابل، سوى الرواتب التي تتقاضاها، إلا أن ذلك لا يمنع من البحث عن جواب للسؤال التالي: هل وجود السماسرة ومُعقّبي المعاملات في الإدارات العامة حاجةٌ تراكمت على مرّ العقود والعهود؟ أم أنهم جزء من شبكة تنفيعات تبدأ بمدير المصلحة، وتمرّ بالموظف، وتنتهي بالسمسار، وتغضّ السلطة الطرف عنها لاعتبارات سياسية ومذهبية وحزبية، رغم كل الوعود الرنّانة التي تُطلقها لضبط الإدارة ومحاربة الفساد؟
الجواب الصادق أن السماسرة ليسوا حاجة فعلية، لأن أي إدارة رسمية يجب أن تُنجز عملها وفق القانون والإجراءات الواضحة، من دون وسطاء. لكن في لبنان، هم أحياناً يتحوّلون إلى حاجة “ضرورية” بسبب الإجراءات المعقّدة والمتشابكة، أو بسبب الروتين البطيء، والمقصود أحياناً من قبل بعض الموظفين. إذ إن نماذج منهم لا تُنجز عملها إلا إذا كان صاحب المعاملة “دفع” مبلغاً معيناً. أو لأن المواطن يضيع بين مكاتب وأختام وتواقيع، عندها يتحوّل السمسار إلى “دليل” يعرف الطريق، ويعرف أين يدخل الملف وكيف ينتهي. بمعنى آخر، السمسار هو نتيجة خلل في الإدارة العامة، وليس حلاً له.
ما يجدر التوقف عنده أن السماسرة تحوّلوا إلى جزء من التنفيعات الحزبية منذ تسعينات القرن الماضي، أي بعد انتهاء الحرب الأهلية، وغالباً ما يكونون مرتبطين بأحزاب وزعامات، ويستعملون نفوذهم لتمرير المعاملات وتقاضي عمولات، فيصبح المواطن بحاجة إليهم للوصول إلى حقه الطبيعي. فالسمسار ليس مجرد “مُسهّل” لإنجاز معاملة، بل هو جزء من منظومة زبائنية: خدمة مقابل ولاء/مال/واسطة.
بمعنى آخر، وجود السماسرة مؤشر على فشل الإدارة وعطب النظام الإداري في لبنان. وكلما كبر دورهم، كلما صغرت هيبة الدولة. لأنهم ليسوا حلاً اضطرارياً، بل تكيّف مع الفساد. وهذا ما نراه بشكل فاقع في البلديات، والدوائر العقارية، ومصلحة تسجيل النفوس، والجمارك. إذ يظهر السمسار في الطوابير، وأثناء البحث عن ملفات ضائعة، أو بسبب مماطلة الموظف في إنجاز المعاملة. هنا يأتي دور السمسار الذي يعرف كيف يتواصل مع الموظف، ويعثر على المستند الضائع في اليوم نفسه، وينجز المعاملة التي تحتاج إلى عدة تواقيع.
الدولة “تتسامح” مع السماسرة لأن وجودهم يخفّف الضغط عن الإدارة، ويغطي العجز، ويخلق ولاءات سياسية تُبقي الفساد غير رسمي لكنه فعّال. أي أن الدولة تستفيد من الفوضى المنظّمة. المواطن يحتاج السمسار ليحصل على حقه، والسمسار يحتاج الفوضى ليعيش، والسلطة تحتاج الاثنين ليستمر النظام كما هو.
أما الحل، فليس بإلغاء السمسار مباشرة، بل بتبسيط الإجراءات، وإنشاء نظام رقمنة حقيقي في الإدارات العامة، وإنجاز المعاملات ضمن مُهل قانونية مُلزمة، ومحاسبة فعلية للمقصرين، لا الاستعراض أمام عدسات الكاميرات.
فارس: ندفع للسمسار وللموظف والدولة معاً!
يعتبر أمين سر جمعية المطورين العقاريين في لبنان، مسعد فارس، أنه “لا حاجة للسماسرة لو أن الإدارة العامة تسير وفقاً للأصول الإدارية”، مشدداً لـ”ليبانون ديبايت” على أن “المشكلة أن الإدارة العامة تعاني من فوضى كبيرة منذ 50 عاماً”. ويضيف أنه خلال الحرب كان يشاهد والده (مهندس ويعمل في العقارات) يحرص على تقديم هدية في المناسبات لمدير أو رئيس مصلحة في الدوائر العقارية، وكانت عبارة عن قلم/كرافات/شوكولا، علماً أنهم كانوا يقومون بواجبهم من دون أن يطالبوا بمقابل، لكنهم كانوا يقبلون الهدايا.
ويجزم فارس بأنه “في الوقت الحاضر، الموظفون (كباراً وصغاراً) يحددون المبلغ الذي يريدونه حين يتقدم المواطن لإنجاز معاملة لديهم، وبات الوضع أشبه بالفحش”.
ويتابع: “حين نجد موظفاً يقوم بواجبه من دون أن يطلب شيئاً نشعر بالسرور. قبل الحرب كان هناك أشخاص وظيفتهم تخليص المعاملات ولكن ليس بهذه الطريقة. اليوم علينا الدفع للسمسار وللموظف والدولة معاً. وهذا أمر معيب وغير محتمل، إذ لا يمكن إنجاز معاملة من دون سمسار، وباتت القاعدة: هين فلوسك ولا تهين نفوسك”.
ويختم: “أستاء جداً من هذا النهج لأن اللبنانيين كانوا محكومين بمعايير أخلاقية راقية. اليوم الرشوة والسمسرة منتشرة في كل الإدارات المتعلقة بشؤون الدولة، وليس فقط في الشؤون العقارية. علماً أنه تم وضع كاميرات مراقبة في العديد من الدوائر العقارية لضبط عمليات الرشاوى وحركة السماسرة، لكن سرعان ما تم الالتفاف على هذا الإجراء وعاد الوضع إلى ما كان عليه سابقاً”.
تعقيب المعاملات مهنة مشروعة عندما تُنظَّم
يشرح مصدر مختص لـ”ليبانون ديبايت” أن ظاهرة ما يُسمّى بـ”سماسرة المعاملات” في الإدارات العامة هي في جوهرها نتيجة خلل بنيوي عميق في عمل الإدارة العامة، وتعبير واضح عن ضعف التنظيم، وتراجع الشفافية، وغياب الإصلاح الإداري الحقيقي.
ويضيف: “في الأصل، تعقيب المعاملات نشاط مهني مشروع ومعروف في معظم دول العالم. فالإجراءات الإدارية غالباً ما تكون معقّدة، والمواطن العادي ليس بالضرورة قادراً على الإحاطة بتفاصيلها أو تتبّع مساراتها. لذلك وُجدت مهنة متعقّب المعاملات كخدمة مساعدة، تُمارَس ضمن إطار قانوني منظّم، يخضع للترخيص والرقابة، وتُحدَّد فيه المسؤوليات والتعرفة بوضوح”.
ويعتبر أن “المشكلة في لبنان لا تكمن في وجود هذا النشاط بحد ذاته، بل في غياب تنظيمه القانوني. فعندما تترك الدولة حاجة فعلية من دون إطار قانوني واضح، تتحوّل هذه الحاجة إلى فوضى، ويتحوّل متعقّب المعاملات من مهني مُعتمد إلى ‘سمسار’، وهو توصيف يعكس واقعاً مرضياً ومهنة غير مشروعة بطبيعتها”.
ويوضح أن “أحد الأسباب الأساسية لاستمرار هذه الظاهرة هو تعقيد الإجراءات الإدارية وتشعّبها، وغياب المسارات الواضحة لإنجاز المعاملات. ويُضاف إلى ذلك ضعف الشفافية داخل الإدارات العامة، حيث تُحجب المعلومات أو تُترك للاجتهاد الشخصي، ما يدفع المواطن إلى البحث عن وسيط ‘يعرف الطريق’”.
ويشدد المصدر على أن “الأخطر من ذلك هو أن السمسار لا يبقى، في كثير من الحالات، مجرد وسيط إداري، بل يتحوّل إلى حلقة وصل منظّمة بين الموظف الفاسد والمواطن. ومع الوقت، تصبح العلاقة بين السمسار وبعض الموظفين الفاسدين علاقة مستقرة، لها قواعدها غير المعلنة، وتعريفاتها، وتسعيرها الخاص. هنا لا يعود السمسار عاملاً طارئاً، بل جزءاً من آلية غير رسمية لتسهيل الفساد والرشوة داخل الإدارة العامة”.
ويضيف: “المواطن قد يجد نفسه مضطراً للجوء إلى السمسار، لا رغبةً منه، بل تحت وطأة الأمر الواقع. فالمعاملة التي يُفترض أن تُنجز ضمن مهلة قانونية وبكلفة محددة، تتحوّل إلى مسار معقّد ومؤذٍ لا يُفتح إلا عبر دفع مبالغ إضافية. وهكذا يصبح المواطن هو الضحية الفعلية، يدفع صاغراً، لا للحصول على امتياز، بل فقط لدفع الأذى وتحصيل حقه المشروع”.
ويجزم بأن “توصيف الظاهرة على أنها مجرد ‘تنفيعات’ أو ‘فساد أفراد’ هو تبسيط مُخلّ. فالمشكلة أعمق، وتكمن في تشويه وظيفة الإدارة العامة نفسها، وتحويلها من مرفق لخدمة المواطن إلى مساحة ضغط واستنزاف له. لذلك، فإن معالجة الظاهرة عبر الملاحقة أو المنع فقط هي مقاربة قاصرة. فالمشكلة ليست في الأشخاص، بل في النظام الذي سمح بقيام شبكة غير رسمية موازية للإدارة. وغياب التنظيم هو الذي ينتج السمسرة والرشوة، لا العكس”.
ويؤكد أن “الحل يبدأ بتنظيم مهنة تعقيب المعاملات ضمن إطار قانوني صارم، يحدد شروط الترخيص، ويمنع أي تواصل غير مشروع مع الموظفين العموميين، ويترافق مع تبسيط الإجراءات، وتسريع الرقمنة، وتعزيز الشفافية والمساءلة داخل الإدارة العامة”.
ويختم: “استمرار وجود ‘السماسرة’ في الإدارات العامة ليس قدراً محتوماً، ولا دليلاً على ضرورة وجودهم بصيغتهم الحالية، بل هو انعكاس لإدارة غير منظّمة وغير محصّنة. تعقيب المعاملات مهنة مشروعة عندما تُنظَّم، وسمسرة فاسدة عندما تُترك بلا قانون، وضحية ذلك دائماً هو المواطن”.