قدّم مقال تحليلي مطوّل نشرته مجلة The Atlantic للكاتب روبرت إف. وورث صورة غير مسبوقة عن الانهيار السريع لحكم بشار الأسد، مظهراً أن ما جرى في كانون الأول 2024 لم يكن نتيجة ضغوط عسكرية أو تحولات دولية فحسب، بل ثمرة مباشرة لطبيعة الأسد نفسه، وسلوكه المنفصل عن الواقع، ورفضه المتكرر لأي تسوية كانت كفيلة بإنقاذ نظامه.
وبحسب الرواية، فإن الأسد، مع اقتراب الفصائل المسلحة من دمشق في 7 كانون الأول 2024، واصل طمأنة مساعديه بأن “النصر قريب”، في وقت كان قد اتخذ قرار الفرار سرًا على متن طائرة روسية، من دون إبلاغ معظم الحلقة الضيقة حوله. وفي تلك الليلة، صدرت بيانات رسمية توحي بأنه لا يزال في القصر الجمهوري يمارس “واجباته الدستورية”، بينما كان بعض أقرب مساعديه يُفاجَأون بحقيقة مغادرته، ويبحثون عن طرق للهرب مع انهيار مفاجئ في خطوط الدفاع.
ويشير المقال إلى أن هذا الفرار، الذي وُصف داخل أوساط موالية بأنه “خيانة مكتملة الأركان”، أدى إلى انهيار سريع في الولاء، وتحول الغضب المكتوم إلى قناعة واسعة بأن الأسد بات وحده مسؤولاً عن مصير البلاد. ونُقل عن صحافيين سوريين قولهم إن أنظمة سابقة في المنطقة ما زالت تحتفظ بمؤيدين بعد سقوطها، بينما “لا أحد اليوم يؤمن ببشار الأسد، حتى داخل عائلته”.
ورغم أن سقوط النظام أنهى عقودًا من حكم أمني قاسٍ، إلا أن المقال يحذّر من أن سوريا دخلت مرحلة فراغ شديد الخطورة، مع غياب فعلي لمؤسسات الدولة خارج العاصمة، وهشاشة القيادة الجديدة، وسط قابلية عالية للانزلاق إلى فوضى جديدة.
ويفند الكاتب الرواية الشائعة التي عزت الانهيار حصريًا إلى انشغال روسيا بحرب أوكرانيا وإيران بمواجهة إسرائيل، مبرزًا رواية بديلة تستند إلى شهادات مسؤولين وضباط وشخصيات كانت قريبة من القصر. ووفق هذه الرواية، فإن الأسد كان قادرًا على إنقاذ حكمه في أكثر من محطة خلال السنوات الأخيرة، إذ عُرضت عليه “خطوط نجاة” من دول عربية وإقليمية، بل وحتى قنوات تواصل غير مباشرة مع واشنطن، لكنه تجاهلها أو رفضها بدافع العناد والشعور بالإهانة من مجرد مطالبته بتقديم تنازلات.
ويتوقف المقال مطولًا عند مرحلة ما بعد 2017، حين بدا أن الأسد “ربح الحرب” بدعم روسي وإيراني كثيف. إلا أن هذا الانتصار كان، بحسب الوصف، وهميًا: مدن مدمّرة، اقتصاد منهار، عملة متهاوية، عقوبات خانقة، وجيش مرهق يعاني من الفساد وسوء التمويل. ومع توقف المعارك الكبرى، بدأ مؤيدو النظام، خصوصًا في بيئته الحاضنة، يطالبون بأي شكل من أشكال الانفراج، وهو ما لم يتحقق.
في هذا السياق، يورد المقال تفاصيل لافتة عن سلوك الأسد داخل القصر في السنوات الأخيرة. فبحسب مصادر متعددة، بينها مسؤول سابق في “حزب الله” وشخصيات على تماس مع الدائرة الضيقة، كان الأسد يقضي ساعات طويلة منشغلاً بألعاب الهاتف، وعلى رأسها لعبة Candy Crush، إلى جانب ألعاب فيديو أخرى، في وقت كانت البلاد تغرق في الانهيار. وتُقدَّم هذه الصورة بوصفها رمزًا لانفصاله شبه الكامل عن الواقع، واعتماده على دائرة صغيرة من المقرّبين، بعد أن همّش شخصيات مخضرمة ورثها عن عهد والده.
وتشير الشهادات إلى أن الأسد كان محاطًا بشخصيات شابة تفتقر إلى الخبرة السياسية، وأن القصر تحوّل تدريجيًا إلى مساحة مغلقة يتزايد فيها الاستخفاف بالمجتمع السوري، فيما كان الجنود يتقاضون رواتب لا تتجاوز 10 دولارات شهريًا، ويضطر بعضهم للعمل في بيع السجائر أو الفاكهة خارج أوقات خدمتهم لتأمين الحد الأدنى من المعيشة.
ويضيف المقال أن الأسد حافظ على نمط حياته الخاص عبر اقتصاد موازٍ قائم على تهريب المخدرات، ولا سيما مادة الكبتاغون، التي أشرف على تصنيعها وتهريبها شقيقه ماهر الأسد، ما وفّر للنظام مليارات الدولارات، لكنه فاقم عزلة سوريا وأثار غضب دول الخليج والأردن.
وعلى الصعيد السياسي، يذكر المقال أن الأسد رفض مرارًا عروضًا عربية لإعادة دمجه إقليميًا مقابل تخفيف ارتباطه بإيران، كما تجاهل محاولات تركية متكررة لفتح مسار تفاوضي يشمل تسوية سياسية وعودة اللاجئين. وفي كل مرة، كان يتصرف وكأنه يملك أوراق القوة، رافضًا الاجتماع أو الاشتراط المسبق لانسحابات عسكرية لا يمكن القبول بها.
وفي الأيام الأخيرة قبل السقوط، تكثفت الاتصالات الدولية والعربية لوقف الانهيار وفرض مسار انتقالي تدريجي، لكن الأسد، بحسب المقال، لم يرد على الاتصالات، وأغلق هاتفه في لحظة كانت فيها العواصم الإقليمية تحاول تفادي الانهيار الشامل. ومع تقدم الفصائل المسلحة، انسحب الحلفاء تباعًا، وبدأت وحدات عسكرية كاملة بالفرار.
وفي الساعات الأخيرة، ينقل الكاتب رواية شاهد من داخل الدائرة القريبة: تطمينات متناقضة، ثم زيارة لمسؤولين روس عرضوا أدلة على انهيار الجيش، ثم أوامر عاجلة بجلب سيارات وتجهيز الأمتعة، قبل أن يغادر الأسد مع اثنين من مساعديه وابنه فقط، تاركًا من تبقى لمصيرهم.
ويخلص المقال إلى أن سقوط نظام الأسد لم يكن مشهدًا تراجيديًا كلاسيكيًا بقدر ما كان نهاية نظام استنزفته القسوة، وسوء الإدارة، وحاكم رفض الاستماع، وفضّل الانسحاب في صمت على مواجهة الحقيقة. وفي هذا المعنى، لم تسقط السلالة بضربة واحدة، بل انهارت ببطء، إلى أن جاء يوم لم يعد فيه أحد مستعدًا للقتال من أجلها.