وضع وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين حجر الأساس لأعمال تأهيل المختبر المركزي الوطني للصحة العامة للأمراض المعدية الناشئة والمعاودة الظهور، في مستشفى الشهيد رفيق الحريري الحكومي الجامعي، بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية، وبتمويل منحة بقيمة 10 ملايين يورو مقدّمة من بنك الاستثمار الأوروبي ضمن مبادرة الصمود الاقتصادي، إضافة إلى دعم من السفارة النرويجية.
ويُشكّل إطلاق المشروع محطة مفصلية في مسار إعادة تأهيل البنية التحتية للصحة العامة في لبنان، وتعزيز القدرات الوطنية الأساسية للترصّد الوبائي والكشف المبكر والاستعداد للطوارئ، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المستمرة.
وفي كلمته، أعلن ناصر الدين أن "المختبر المركزي الوبائي إنجاز كبير واستثمار وطني استراتيجي، من شأنه استعادة قدرة لبنان على كشف التهديدات الصحية والاستجابة لها وحماية المجتمع"، مؤكداً أنه سيكون أداة أساسية لوزارة الصحة العامة للعمل وفق معايير عالمية تتطابق مع معايير منظمة الصحة العالمية.
ولفت إلى أن المختبر سيكون خلال فترة قصيرة في خدمة اللبنانيين، مشيراً إلى جهود الوزير السابق فراس الأبيض في الإعداد للمشروع، ومنوّهًا بأهمية وجود المختبر في مستشفى الحريري الجامعي الذي يُسعى ليكون مرجعياً.
وأضاف، "هذا الإنجاز لم يكن ليحصل لولا تضافر جهود الجميع في وزارة الصحة مع الشركاء"، متوجهاً بالشكر إلى بنك الاستثمار الأوروبي والسفارة النرويجية على دعمهما.
وأوضح أن المختبر المركزي سيكون الأداة الموضوعية في التقييم الوبائي في لبنان، كاشفاً أن الوزارة تعمل أيضاً على إعداد مختبر مرجعي دوائي في الجامعة اللبنانية وفق معايير منظمة الصحة العالمية، في إطار مشاريع إصلاحية متكاملة تهدف إلى تعزيز المختبرات المرجعية للدولة اللبنانية وتحسين الشروط الاستشفائية والدوائية.
من جهته، أكد أولريخ برونهوبر، رئيس قسم القطاع العام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بنك الاستثمار الأوروبي، أن تدشين المختبر يمثل محطة مهمة في تعزيز قدرات الصحة العامة في لبنان، مشيراً إلى فخر البنك بدعم هذه المبادرة إلى جانب منظمة الصحة العالمية وشركاء "فريق أوروبا"، بما يسهم في بناء نظم صحية أقوى وأكثر صموداً.
بدوره، اعتبر ممثل السفارة النرويجية أن المبادرة تعكس أهمية الشراكات الدولية المستدامة في تعزيز المؤسسات العامة وحماية صحة السكان، مشيداً بالجهود الرامية إلى دعم الاستراتيجية الوطنية للصحة في لبنان.
أما ممثل منظمة الصحة العالمية الدكتور عبد الناصر أبو بكر، فشدّد على أن إحياء المختبر المركزي ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل استثمار في الصمود، موضحاً أن مواءمة التمويل الإنمائي مع الأولويات الوطنية والخبرة التقنية تتيح تحقيق أثر مستدام حتى في أصعب الظروف.
وأوضح بيان صادر عن منظمة الصحة العالمية أن المختبر المركزي للصحة العامة يُعد إحدى القدرات الأساسية المنصوص عليها في اللوائح الصحية الدولية (IHR 2005)، وسيعمل كمختبر مرجعي وطني داعم للتأكيد السريع للأمراض المعدية ذات الأولوية، والتحقيق في الفاشيات، واتخاذ قرارات الصحة العامة المبنية على الأدلة.
ويتألف المبنى المُجدّد من طابق سفلي وطابق أرضي وثلاثة طوابق علوية وسطح، على مساحة إجمالية تُقدّر بنحو 3,000 متر مربع، ومن المتوقع أن يُجري عند بدء تشغيله بين 4,000 و4,500 فحص تشخيصي سنوياً، ما يعزز أنظمة الترصد الوطنية ويقوّي التنسيق ضمن شبكة مختبرات الصحة العامة.
ويأتي هذا الاستثمار استجابة مباشرة للدروس المستفادة من جائحة كوفيد-19، مسلطاً الضوء على الدور الحاسم للمختبرات الوطنية الفاعلة في الاستعداد للأوبئة وصمود النظم الصحية وبناء الثقة العامة.
ولا يقتصر المشروع على إعادة التأهيل الفيزيائي، بل يشمل تصميم بنية تحتية متوافقة مع معايير السلامة البيولوجية، وشراء وتركيب تجهيزات متخصصة، وبناء قدرات الكوادر، ودمج المختبر ضمن الشبكة الوطنية للمختبرات، بما يضمن الاستدامة والجودة والقدرة على الصمود.
كما يجري إرساء آليات حوكمة ورقابة تحت قيادة وزارة الصحة العامة وبإشراف تقني من منظمة الصحة العالمية، لضمان الشفافية والمساءلة والالتزام بالمعايير الدولية.
وفي وقت يواصل لبنان مواجهة أزمات متداخلة، يشكّل المختبر المركزي للصحة العامة استثماراً حيوياً في الأمن الصحي الوطني، وصمود المؤسسات، والاستعداد للأوبئة والطوارئ المستقبلية.