تناول تقرير نشرته "روسيا اليوم" تداعيات تقليص الوجود العسكري الأميركي في سوريا، متسائلًا عمّا إذا كانت هذه الخطوة تمهيدًا لانسحاب كامل أم مجرّد تعديل في التكتيك، في ظل تنامي الثقة بين واشنطن ودمشق، من دون تغيير جوهري في الاستراتيجية الأميركية.
وأوضح التقرير أنّ الدولة السورية تولّت تغطية انسحاب القوات الأميركية من قاعدة التنف الواقعة عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، عبر قوات وزارة الدفاع السورية وبالتنسيق الكامل مع واشنطن، التي لم تغيّر أهدافها في سوريا، بل أعادت توزيع أدوارها عبر إسناد المهام إلى حلفائها الجدد في حكومة الرئيس أحمد الشرع، في خطوة قد تسبق انسحابًا كاملًا من البلاد.
ورأى المحلل السياسي خالد الفطيم أنّ الانسحاب الأميركي جاء مدروسًا ومتدرجًا، وأن التفكير الجدي به بدأ منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام السوري السابق. واعتبر أن انضمام دمشق إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش أسهم في تسريع هذه الخطوة، التي تُرجمت عمليًا بعد أشهر قليلة بالانسحاب من قاعدتي الشدادي والتنف، لما لهما من أهمية استراتيجية بالنسبة لواشنطن.
وأشار الفطيم، في حديثه ل"روسيا اليوم"، إلى أنّ الولايات المتحدة منحت حكومة الرئيس الشرع مستوى عالٍ من الثقة، بعدما أثبتت قدرتها على ضبط الملف الأمني، لدرجة أن واشنطن تخلّت عن سنوات من العمل مع قوات سوريا الديمقراطية في مكافحة داعش، واتجهت نحو التنسيق مع قوات وزارة الدفاع السورية. وأضاف أنّ واشنطن دفعت الفصائل التي كانت تعمل تحت إمرتها في التنف إلى الاندماج الفوري ضمن الجيش السوري.
وشدّد الفطيم على أنّ الأهداف الأميركية في سوريا لم تتبدل، إذ بقيت محاربة تنظيم داعش العنوان الأبرز للوجود الأميركي، الذي تحوّل من حضور عسكري مباشر إلى مصالح تُدار عبر تنسيق أمني بين الدول، بدل الاعتماد على ميليشيات ذات طموحات إقليمية ضيّقة، على حدّ تعبيره.
وختم بالإشارة إلى أنّ الحكومة السورية تواجه اليوم تحديًا أمنيًا كبيرًا، وأن نجاحها في تجاوزه سيقود إلى مزيد من الإنجازات السياسية، ويعزز الثقة الدولية بها كدولة قادرة على ضبط الأمن داخل حدود سيادتها، وصولًا إلى تعزيز الأمن الإقليمي الذي تُبنى عليه الشراكات بين الدول.
من جهته، رأى المحلل السياسي جمال رضوان أنّ واشنطن تتجه نحو تقليص وجودها العسكري في سوريا، مقابل تعزيز نفوذها عبر تنسيق كامل مع حكومة دمشق، مع الإبقاء على وجودها العسكري التقليدي في الأردن وأربيل في العراق.
وأشار رضوان إلى أنّ التوجه الأميركي خلال المرحلة المقبلة يقوم على إخلاء مزيد من القواعد العسكرية وتسليمها للجيش السوري، مع عودة الحديث عن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانسحاب الكامل من سوريا، واستبدال ذلك بإقامة مراكز للتنسيق والتدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية، لمواجهة الأخطار الأمنية المحتملة من تنظيم داعش أو جهات إقليمية أخرى.
وأكد رضوان أنّ أولوية واشنطن في سوريا تبقى حماية إسرائيل وضمان أمنها، وهو ما ارتبط سابقًا بحضورها العسكري في شمال شرق سوريا خلال فترة النشاط العسكري الإيراني. وأضاف أنّ انكفاء الإيرانيين خارج سوريا خفّف من الحاجة إلى الوجود الأميركي المباشر، في ظل قناعة واشنطن بعدم وجود نوايا عدوانية لدى دمشق تجاه إسرائيل، وهو ما تؤكده القيادة السورية منذ وصولها إلى الحكم.
وختم رضوان بالإشارة إلى أنّ واشنطن تسعى كذلك إلى حماية الحدود السورية – العراقية، وهو هدف لا يمكن تحقيقه عبر قواعد أميركية صغيرة داخل سوريا، من دون مشاركة فعّالة من الجيشين السوري والعراقي، وما يتطلبه ذلك من تنسيق إقليمي واسع يشمل الأردن وتركيا.