قال نائب رئيس الحكومة طارق متري إن بيروت ودمشق تعملان على بناء علاقات جديدة تقوم على الثقة والمصلحة المشتركة والاحترام المتبادل لسيادة البلدين، مؤكدًا أن التعاون بين الجانبين يتجاوز ملف السجناء السوريين.
وأوضح متري، في مقابلة مع "وكالة الأناضول"، أن المباحثات اللبنانية–السورية تشمل عددًا من القضايا، مشيرًا إلى أن التوصل إلى اتفاق مكتوب ليس شرطًا لتحقيق تقدم فعلي في العلاقات الثنائية.
وأشار إلى أنه في 20 تشرين الثاني 2025 أجرى زيارة رسمية إلى سوريا، التقى خلالها الرئيس أحمد الشرع وعددًا من كبار المسؤولين، في إطار مسار دبلوماسي متجدّد لإعادة تنظيم الملفات العالقة وتعزيز التعاون بين البلدين.
وفي الشق الإقليمي، رأى متري أن تفوق إسرائيل العسكري والجوي يشكل تهديدًا للأمن الإقليمي، معتبرًا أنها، رغم قدراتها التدميرية، غير قادرة على حكم المنطقة أو تشكيل شرق أوسط جديد.
ولفت إلى أنه خلال نحو عامين، عصف العدوان الإسرائيلي بالمنطقة، من خلال الحرب على غزة وإيران، إضافة إلى شن حرب على لبنان، وغارات جوية على سوريا واليمن، وصولًا إلى غارة على قطر.
وأشار إلى أن إسرائيل، التي تحتل فلسطين وأراضي في سوريا ولبنان منذ عقود، ما زالت ترفض الانسحاب منها وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على حدود ما قبل حرب 1967.
وأكد متري أن التعاون بين بيروت ودمشق يشمل ضبط الحدود وملف عودة اللاجئين السوريين، لافتًا إلى أن عودة 500 ألف لاجئ سوري من لبنان إلى بلادهم خلال العام الماضي ما كانت لتتحقق من دون تنسيق مشترك، حتى من دون توقيع اتفاقيات رسمية.
وكان لبنان قد أعلن مطلع العام الجاري عودة أكثر من نصف مليون لاجئ سوري خلال 2025، ضمن عودة وُصفت بأنها “آمنة ومستدامة”. وقبل إعلان هذه الأرقام، قدّرت السلطات اللبنانية عدد السوريين في البلاد بنحو 1.5 مليون، بينهم قرابة 880 ألفًا مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وأوضح متري أن التعاون بين البلدين يتجاوز ملف السجناء السوريين، مشيرًا إلى أنه في الأسبوع الماضي وُقّع اتفاق بين بيروت ودمشق لنقل نحو 300 محكوم سوري إلى بلادهم، في إطار معالجة ملف الموقوفين العائد إلى سنوات الثورة السورية وحتى إسقاط نظام الأسد أواخر 2024.
وفي ما يخص ترسيم الحدود، أشار متري إلى أن هذا الملف مؤجّل حاليًا وليس في مقدّمة القضايا المطروحة، لكنه شدّد على أن جميع الملفات ذات الاهتمام المشترك مطروحة على طاولة البحث.
وتُعد مزارع شبعا من أبرز المناطق المتنازع عليها بين لبنان وسوريا، إذ بقيت تحت سيطرة إسرائيل بعد انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، باعتبارها أراضي سورية، فيما تصرّ بيروت على أنها لبنانية.
وتتكوّن الحدود اللبنانية–السورية من جبال وأودية وسهول من دون علامات واضحة، ويرتبط البلدان بـ6 معابر برية على طول نحو 375 كلم. ومنذ الاستقلال عن الانتداب الفرنسي (1920–1946)، بقي ترسيم الحدود ملفًا شائكًا، تخلّلته توترات دبلوماسية واشتباكات ومشاكل تهريب.
ولفت متري إلى أن قضايا آنية، مثل أزمة الشاحنات، قد تطغى أحيانًا على ملفات استراتيجية بعيدة المدى. وفي هذا السياق، اتفق لبنان وسوريا، يوم الخميس، على اعتماد آلية مؤقتة لمدة 7 أيام لتنظيم حركة الشاحنات، بعد تكدسها عند معبر المصنع عقب قرار سوري صدر في 6 شباط يقضي بمنع الشاحنات غير السورية من دخول الأراضي السورية.
وعن التقارب التركي مع مصر والسعودية، قال متري إن البلدين شقيقان للبنان، معربًا عن أمله بأن ينعكس هذا التقارب إيجابًا على المنطقة، ومشيرًا إلى ضرورة انتظار نتائجه العملية.
وأوضح أنه يتابع استطلاعات رأي سنوية في المنطقة، لافتًا إلى أنه على مدى أكثر من 10 سنوات، يرى نحو 80% من المشاركين أن إسرائيل تشكّل تهديدًا لأمن المنطقة، وهو تصور تدعمه ممارساتها في سوريا ولبنان وفلسطين.
واعتبر أن هذا الإدراك المشترك قد يكون من دوافع التقارب الإقليمي، مضيفًا: “رغم كل ما يُقال عن أننا دخلنا العصر الإسرائيلي، فإن إسرائيل قادرة على التدمير، لكنها غير قادرة على حكم منطقتنا أو تشكيل شرق أوسط جديد”.
ومنذ وقف إطلاق النار مع حزب الله أواخر تشرين الثاني 2024، ترتكب إسرائيل خروقات شبه يومية في لبنان أسفرت عن سقوط مئات الضحايا. وكانت قد بدأت عدوانها على لبنان في تشرين الأول 2023، قبل أن تحوّله إلى حرب شاملة في أيلول 2024، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 4,000 شخص وإصابة نحو 17,000 آخرين.