وفي هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أنّ قرار رفع الرواتب، الذي تُقدَّر كلفته السنوية بما بين 800 مليون ومليار دولار، يضع الحكومة أمام تحدٍ مالي كبير، خصوصًا أن التمويل سيأتي من خلال فرض رسوم وضرائب إضافية، في ظل اقتصاد يعاني أصلًا من الانكماش وتراجع القدرة الشرائية.
واستعاد حمادة تجربة "سلسلة الرتب والرواتب" التي أُقرّت قبل سنوات، معتبرًا أنها شكّلت نموذجًا عن الخلل في إدارة الإنفاق العام. فالأرقام، بحسب قوله، تغيّرت مرارًا آنذاك، من مئات مليارات الليرات إلى أرقام أعلى بكثير، في ظل سعر صرف ثابت عند 1500 ليرة، قبل أن يتبيّن لاحقًا أن الكلفة الفعلية كانت أكبر من المعلن، ما ساهم في تفاقم العجز وتوسيع الفجوة المالية.
وأشار إلى أن تلك التجربة، إلى جانب عوامل أخرى، أسهمت في إنهاك المالية العامة ووضعها على مسار الانهيار، محذرًا من تكرار السيناريو نفسه من دون إصلاحات بنيوية واضحة ترافق أي زيادة في الإنفاق.
وأوضح حمادة أن الاعتراضات داخل مجلس الوزراء لم تصل إلى حدّ كسر التوافق، لا سيما أن المحرك الأساسي للقرار الحالي هو رفع رواتب العسكريين والأجهزة الأمنية، في مرحلة تتعاظم فيها المهمات الملقاة على عاتقهم، سواء على المستوى الأمني أو في إطار خطط توسيع التطويع ورفد المؤسسة العسكرية بعناصر إضافيين.
لكن، بحسب حمادة، المشكلة لا تكمن في مبدأ رفع الرواتب بحد ذاته، بل في طريقة تمويلها وانعكاساتها. فالرسوم الجديدة، ومنها الزيادات على المحروقات وبعض الضرائب غير المباشرة، ستؤدي حتمًا إلى ارتفاع مباشر في كلفة المعيشة، ما ينعكس تضخمًا إضافيًا يطال مختلف القطاعات. وفي النتيجة، فإن جزءًا كبيرًا من الزيادة الممنوحة للموظف سيعود ليستنزف عبر الغلاء المتصاعد.
وأشار إلى أن الاقتصاد اللبناني لا يحتمل مزيدًا من الأعباء في ظل غياب إصلاحات جدية تواكب أي إنفاق إضافي. فالإنفاق العام، وفق المعطيات، يذهب نحو 50 في المئة منه للرواتب والتقديمات الاجتماعية، فيما يبقى هامش الاستثمار محدودًا للغاية. كما أن تحسين الجباية، الذي يُطرح دائمًا كحل، لا يزال في رأيه شعارًا أكثر منه واقعًا، في ظل تهرب ضريبي واسع ومخالفات مستمرة في مختلف القطاعات.
وتوقف حمادة عند أرقام الاستيراد، لافتًا إلى أن لبنان استورد ما يقارب 17 مليار دولار في العام الماضي، فيما لم تتجاوز عائدات الرسوم الجمركية بضعة مئات ملايين الدولارات، ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية التحصيل وحجم التهرب الجمركي.
وختم بالإشارة إلى أن الحكومة ليست بالضرورة في موقع الخطأ المتعمّد، بل في موقع المأزق. فهي مضطرة لدعم المؤسسة العسكرية في هذه المرحلة الحساسة، لكنها في الوقت نفسه تفتقر إلى خطة إصلاحية سريعة تتيح خفض الهدر ورفع الإيرادات من دون تحميل المواطنين أعباء إضافية. وبين ضرورات الأمن وضغوط الاقتصاد، يبقى اللبناني الحلقة الأضعف في معادلة دولة تبحث عن تمويل عاجل وسط غياب حلول جذرية.