في سباق محموم بين خيار التفاوض النووي واحتمال توجيه ضربة محدودة إلى طهران، يبرز اسم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بوصفه مهندس المقاربة التفاوضية الإيرانية في هذه المرحلة الدقيقة، في ظل تهديدات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإمهال إيران نحو أسبوعين للتوصل إلى اتفاق.
عراقجي، المعروف ببراغماتيته رغم العقيدة السياسية التي تحكم نظام بلاده، قدّم في كتابه "قوة التفاوض، مبادئ وقواعد المفاوضات السياسية والدبلوماسية" رؤية متكاملة لآلية التفاوض بين الدول. ويؤكد أن "أسلوب المساومة" يحكم العلاقات الدولية، على غرار ما يجري في "البازار"، حيث يتفاوض البائع والمشتري ضمن عملية محسوبة تقوم على تبادل المكاسب والخسائر، لا على المواجهة المفتوحة.
يشدد الوزير الإيراني على أن المساومة ليست اندفاعًا عشوائيًا، بل عملية مدروسة تتطلب من كل طرف حساب خطواته بدقة، وإعادة توزيع المصالح بما يرضي الجانبين. ويرى أن الدول لا تسعى إلى انتصار مطلق، بل إلى اتفاق يحقق الحد الأدنى من مصالحها الجوهرية.
ويضيف أن ميزان القوة في المفاوضات لا يقتصر على القدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل يشمل الدعم الدولي، والقدرة على الصمود، والتحكم بعامل الوقت، وامتلاك بدائل. ويطلق على هذه العناصر مجتمعة توصيف "القوة التفاوضية المركّبة".
يعتبر عراقجي أن الدول القوية قد تخسر في المساومة إذا بالغت في الضغط أو تجاهلت مصالح الطرف الآخر أو لم تترك له هامشًا لـ"حفظ ماء الوجه". في المقابل، يمكن للدول الأضعف أن تحقق مكاسب إذا أحسنت استخدام أوراقها، واعتمدت على عامل الوقت، وفعّلت شبكات دعمها الدولي.
ويؤكد أن كل دولة تدخل التفاوض وهي تحمل خطًا أحمر لا تتجاوزه، وحدًا أدنى تقبل به، إضافة إلى خطة بديلة في حال فشل المفاوضات.
من أبرز ما يطرحه عراقجي مفهوم "سلاح الوقت"، معتبرًا أن من يسيطر على الوقت يسيطر على المساومة. فالأطراف تستخدم عنصر الوقت لزيادة الضغط، وتقليل كلفة التراجع، ودفع الخصم إلى اتخاذ قرارات تحت وطأة الاستعجال.
غير أن هذا العامل، وفق معطيات المرحلة الحالية، لا يبدو في مصلحة طهران بالكامل، في ظل المهلة التي أعلنها ترامب، والحشد العسكري الأميركي المتزايد في المنطقة، بما في ذلك وصول حاملة الطائرات "جيرالد فورد" إلى إسرائيل، وانتشار "أبراهام لنكولن" في بحر العرب، إلى جانب مئات الطائرات الأميركية.
في كتابه، يوضح عراقجي أن التنازلات لا تعني ضعفًا، بل قد تكون أداة لانتزاع تنازلات مقابلة، شرط أن تكون مدروسة، غير مجانية، وتُقدّم تدريجيًا مقابل مكاسب واضحة.
وفي هذا السياق، أبدى الوفد الإيراني خلال محادثات جنيف ليونة في عدد من الملفات، وفق ما أفادت تقارير ميدانية، بينها إمكانية إخراج نصف كمية اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد، وخفض نسبة التخصيب إلى ما كان منصوصًا عليه في اتفاق 2015.
الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، نصّ على حصر نسبة تخصيب اليورانيوم عند 3.67% لمدة 15 عامًا، مقابل رفع تدريجي للعقوبات. إلا أن إدارة ترامب انسحبت منه في ولايته الأولى، مطالبة باتفاق "أقوى وأشمل".
اليوم، تسعى واشنطن إلى اتفاق غير محدد زمنيًا، مع وقف تام لعمليات التخصيب، وهو ما تعتبره طهران حقًا سياديًا وخطًا أحمر لا يمكن تجاوزه، إذ إن التخلي الكامل عنه قد يُنظر إليه داخليًا على أنه مساس بهيبة الدولة.
من المرتقب أن تجتمع الفرق الفنية من الجانبين في فيينا، بحضور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في محاولة لصياغة إطار تقني قد يمهّد لاتفاق أوسع. إلا أن سقف التنازلات، وحدود "حفظ ماء الوجه"، سيبقيان العاملين الحاسمين في تحديد مآلات المسار التفاوضي.
أمام هذه الوقائع، تبدو الأيام المقبلة مفصلية. فإما أن تنجح مقاربة "البازار" التي نظّر لها عراقجي في إنتاج تسوية تحفظ الحد الأدنى من مصالح الطرفين، وإما أن يتحوّل عامل الوقت من أداة ضغط تفاوضية إلى شرارة تصعيد جديد في المنطقة.