لا يمكن اختزال الكلفة الاقتصادية للحرب في رقم واحد. فالحروب، بطبيعتها، تُنتج طبقات متداخلة من الخسائر تتجاوز الأضرار المباشرة لتطال بنية الاقتصاد بأكملها. منهجياً، يُميّز الخبراء بين أربع طبقات أساسية للخسارة: الأولى تتمثّل في الأضرار المباشرة التي تصيب المساكن والمصانع والطرق والبنية التحتية، والثانية في خسائر التدفقات الاقتصادية الناتجة عن توقف الإنتاج، والتجارة، والسياحة، والخدمات. أما الطبقة الثالثة فتتمثل في خسارة الدخل والأجور نتيجة النزوح وتعطل الأعمال، في حين تتجسّد الطبقة الرابعة في الكلفة المالية اللاحقة مثل ارتفاع كلفة النقل والتأمين والتمويل، فضلاً عن أعباء إعادة الإعمار.
هذه المقاربة هي نفسها التي اعتمدها البنك الدولي عندما قدّر الكلفة الاقتصادية الإجمالية للنزاع في لبنان بنحو 14 مليار دولار حتى 20 كانون الأول 2024، موزّعة بين 6.8 مليارات دولار أضراراً مباشرة و7.2 مليارات دولار خسائر اقتصادية.
نزيف يومي بالملايين
في هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي وليد بو سليمان في حديث لـ "ليبانون ديبايت" أنّ "قراءة هذه الأرقام لا تكتمل من دون تحويلها إلى مؤشرات يومية تعكس حجم النزيف الفعلي الذي يتكبّده الاقتصاد اللبناني مع استمرار الحرب". ويشير إلى أنّه "عند تحويل هذه الأرقام إلى معدل يومي، يتبيّن أن الكلفة الإجمالية للحرب تقارب 32 مليون دولار يومياً، فيما تصل الخسائر الاقتصادية الصافية في التدفقات والإنتاج إلى نحو 16 مليون دولار يومياً وفق فترة التقييم المعتمدة. وحتى التقدير المرحلي السابق للبنك الدولي في تشرين الثاني 2024، والبالغ 8.5 مليارات دولار، يوازي نحو 22 مليون دولار يومياً كمعدل وسطي خلال فترة الرصد. وبذلك يصبح الحديث الأكثر دقة -وفق بو سليمان- عن عشرات ملايين الدولارات يومياً، وليس عن مئات الملايين، إلا إذا دخل الاقتصاد اللبناني في سيناريو تعطّل وطني شامل يشمل المرافئ والمطار والحدود والطاقة وسلاسل الإمداد دفعة واحدة.
فيما يتعلق بالقطاعات التي تدفع الثمن الأكبر، تشير التقديرات إلى أن القطاع الأكثر تضرراً من حيث القيمة الإجمالية للخسائر بعد قطاع السكن هو محور التجارة والصناعة والسياحة، إذ قدّر البنك الدولي خسائر هذا المحور بنحو 3.4 مليارات دولار على مستوى البلاد. غير أن الصورة، وفق الخبير الاقتصادي، تبدو مختلفة عند النظر إلى الأثر الاجتماعي والتشغيلي المباشر، حيث تظهر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كالحلقة الأضعف والأكثر تعرضاً للضرر، نظراً إلى كونها تمثّل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني.
ضربة قاسية لسوق العمل
وفي هذا السياق، يُبيّن تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أن هذا القطاع، الذي يشكّل نحو 90% من الأعمال في لبنان، تلقّى ضربة قاسية خلال الحرب. فقد أظهرت البيانات أن 15% من المؤسسات أُقفلت نهائياً، فيما علّقت 75% من المؤسسات نشاطها مؤقتاً في ذروة المواجهات، مع تسجيل أضرار مباشرة طالت أكثر من نصف المؤسسات التي شملها المسح.
هذا التراجع انعكس سريعاً على سوق العمل. فالتوظيف في القطاع الخاص انخفض بنسبة 25%، فيما وصلت خسائر الوظائف في المناطق التي تعرّضت للاستهداف المباشر إلى 36%. وحتى بعد وقف النار، بقيت البطالة في المناطق الأكثر تضرراً عند مستوى 24%، مقارنة بنحو 7% في المناطق الأخرى. ولم تقتصر التداعيات على فقدان الوظائف فقط، إذ أظهرت البيانات أيضاً أن 35% من العاملين الذين احتفظوا بوظائفهم شهدوا تراجعاً في مداخيلهم، فيما انخفض متوسط الأجور بنحو 15% على مستوى البلاد.
تعكس هذه الأرقام واقعاً اقتصادياً صعباً، حيث لا تترجم الحرب فقط بإقفال المؤسسات، بل أيضاً بانتشار العمل الجزئي وخفض الرواتب وتآكل القدرة الشرائية للأسر حتى قبل الوصول إلى مرحلة الصرف النهائي للعمال. وإذا جرى ترتيب القطاعات بحسب نوع الأثر، فإن السياحة والتجارة تتحملان أكبر خسارة نقدية سريعة، فيما تتحمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أكبر عبء على مستوى التشغيل والدخل، بينما تتلقى الزراعة الضربة الجغرافية والمعيشية الأكبر، خصوصاً في الجنوب والبقاع.
الزراعة في مرمى الخسائر
وفي القطاع الزراعي تحديداً، قدّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) الأضرار والخسائر بنحو 704 ملايين دولار حتى أواخر تشرين الثاني 2024، بينها 586 مليون دولار خسائر و118 مليون دولار أضرار مباشرة، مع تركز كبير في المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية.
انهيار مالي جديد؟
وأمام هذه الصورة الاقتصادية الثقيلة، يطرح السؤال نفسه: هل يمكن أن يقود استمرار المواجهات إلى انهيار مالي جديد يشبه ما حدث عام 2019؟
تشير التقديرات إلى أن لبنان ليس تلقائياً أمام نسخة مطابقة لانهيار عام 2019. ويوضح الخبير الاقتصادي وليد بو سليمان أن البنية النقدية تغيّرت في السنوات الأخيرة، مع استقرار نسبي في سعر الصرف منذ آب 2023 وارتفاع مستوى الدولرة في الاقتصاد. كما يتوقع البنك الدولي تراجع التضخم إلى نحو 15.2% في عام 2025 مع احتمال انخفاضه إلى خانة الآحاد في 2026 إذا استمر الاستقرار وتقدّمت الإصلاحات.
ركود تضخّمي أمني
لكن ذلك لا يعني أن المخاطر منخفضة، إذ إن استمرار الحرب قد ينعكس تراجعاً في السياحة والتحويلات والاستثمارات، وارتفاعاً في كلفة الاستيراد والنقل وضغوطاً على الأسعار. وبذلك، يرجّح أن يواجه لبنان سيناريو "ركود تضخمي أمني" يجمع بين ضعف النمو وتراجع فرص العمل وارتفاع الأسعار، خصوصاً إذا اتسع نطاق الحرب أو تعطلت قنوات الاستيراد والطاقة، في ظل استقرار نقدي لا يزال هشاً ومرتبطاً باستمرار الهدوء والتقدم في الإصلاحات.
إجراءات طارئة
انطلاقاً من ذلك، يرى الخبراء أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب إجراءات طارئة وسريعة. هنا يشير الخبير الاقتصادي وليد بو سليمان، إلى "ضرورة حماية سلاسل استيراد القمح والدواء والمحروقات وتأمين ممرات لوجستية بديلة لتفادي أي اختناق في الإمدادات، إضافة إلى الامتناع عن تمويل العجز أو اعتماد دعم عشوائي ممول نقدياً لما يحمله من ضغوط على الليرة والأسعار". كما يدعو إلى إطلاق برنامج طوارئ لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر توفير سيولة تشغيلية وتأجيلات ضريبية ودعم مؤقت للأجور، بالتوازي مع توسيع التحويلات النقدية للعائلات النازحة والأسر التي فقدت دخلها، وتسريع الإصلاحات في المالية العامة والقطاع المصرفي لتفادي تحوّل الصدمة الأمنية إلى أزمة نقدية واجتماعية أعمق.