وفي قراءة للمشهد، يوضح الكاتب والمحلل غسان ريفي أن ما يجري يتجاوز مجرد ردود عسكرية متبادلة، ليعكس محاولة إسرائيلية لفرض معادلات جديدة على المستويين الميداني والسياسي، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتزايد الضغوط على الداخل اللبناني.
وأكد ريفي في حديث إلى "ليبانون ديبايت" أن لبنان يشهد في الأيام الأخيرة تصعيدًا عسكريًا خطيرًا في ظل توسّع الاعتداءات الإسرائيلية لتطال مناطق مدنية مكتظة، في مؤشر إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر حساسية ميدانيًا وسياسيًا.
وأوضح ريفي أن الغارة التي استهدفت فجر اليوم منطقة الرملة البيضاء في قلب العاصمة بيروت، وأدت إلى سقوط سبعة شهداء وأكثر من عشرين جريحًا من النازحين الذين كانوا يفترشون الكورنيش البحري، تعكس اتساع نطاق الاستهداف الإسرائيلي ليشمل مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية في الجنوب، مشيرًا أيضاً إلى ما شهدته منطقة عرمون من غارات مماثلة خلال الساعات الماضية.
وفي المقابل، لفت إلى أن الساعات الأخيرة شهدت تصعيدًا في عمليات المقاومة، حيث أطلقت عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه شمال فلسطين المحتلة. وأضاف أن الإعلام الحربي في حزب الله أعلن أن إحدى الدفعات الصاروخية بلغت نحو مئة صاروخ دفعة واحدة، في حين تشير المعطيات المتداولة إلى أن عدداً من هذه الصواريخ أصاب أهدافه، فيما ساهمت أخرى في استنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية.
ورأى ريفي أن التصعيد الإسرائيلي لا يقتصر على الرد العسكري، بل يحمل مجموعة من الأهداف السياسية والعسكرية المتداخلة.
وأوضح أن الهدف الأول يتمثل في محاولة فرض ضغط مباشر على حزب الله بهدف إضعافه عسكريًا وسياسيًا ودفعه إلى تسليم سلاحه للدولة اللبنانية، إلا أن هذا الهدف، وفق تقديره، لا يزال بعيد المنال في ظل استمرار العمليات العسكرية على الجبهة الجنوبية.
وأشار إلى أن الهدف الثاني يتصل بمحاولة الضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة من خلال استهداف البنى الاقتصادية والتجارية والإنتاجية والاجتماعية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.
ولفت إلى أن طبيعة العديد من الضربات الإسرائيلية لا تعكس وجود مخازن أسلحة أو مواقع عسكرية، إذ لم تُسجَّل في كثير من الحالات انفجارات ثانوية عادة ما ترافق استهداف مستودعات الذخيرة، ما يعزز الاعتقاد بأن عدداً من الأهداف كان مباني مدنية أو سكنية.
كما أكد أن الهدف الثالث يتمثل في توسيع نطاق الضغط النفسي والسياسي على اللبنانيين عموماً، من خلال نقل الاعتداءات إلى مناطق مدنية مكتظة، بما في ذلك أحياء في بيروت ومراكز نزوح، في محاولة لتأليب الرأي العام اللبناني على المقاومة ودفعه إلى تحميلها مسؤولية التصعيد.
وأضاف أن ثمة هدفًا رابعًا يتمثل في ممارسة ضغط مباشر على الحكومة اللبنانية لدفعها إلى اتخاذ خطوات سياسية وأمنية تتعلق بسلاح حزب الله.
وأشار إلى أن هذا الضغط يترافق مع نقاشات داخلية حول دور الدولة والمؤسسات الرسمية، ولا سيما في ظل الإجراءات التي شددت على تحييد الجيش اللبناني عن المواجهات وحصر أي نشاط عسكري بإطار الدولة.
وفي الإطار السياسي، لفت ريفي إلى أن إعلان رئيس الحكومة نواف سلام استعداد لبنان للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ضمن أي صيغة ممكنة أثار نقاشًا واسعًا في الداخل اللبناني، خصوصًا في ظل استمرار العمليات العسكرية وتزايد الخسائر البشرية والمادية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أوضح أن العدوان دخل يومه العاشر من دون مبادرة لبنانية رسمية لطلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي أو تقديم شكوى رسمية بشأن الاعتداءات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن فرنسا هي التي بادرت إلى الدعوة لعقد جلسة للمجلس، إلا أن هذه الجلسة، وبعد ساعات من المداولات الدولية، لم تفضِ إلى أي قرار عملي قادر على وقف العمليات العسكرية أو الحد من التصعيد.
وختم ريفي بالإشارة إلى أن المشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة في ظل استمرار المواجهة العسكرية وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية والإنسانية على لبنان، محذرًا من أن اتساع رقعة التصعيد قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة على لبنان والمنطقة.