"ليبانون ديبايت" - سمر يموت
عيدُ الفطر في لبنان هذا العام ليس كما كان. لا ضحكات تملأ الأزقّة، ولا خطوات صغيرة تركض بفرحٍ حاملةً أكياس الثياب الجديدة. هذا العام، يأتي العيد مُثقلاً بوجع الحرب، مختلفاً في ملامحه ومعانيه، لا سيّما بالنسبة إلى نحو 350 ألف طفل نازح، وفق تقديرات منظمة اليونيسف، وجدوا أنفسهم فجأة خارج بيوتهم، بعيدين عن غرفهم وألعابهم وأقاربهم.
هؤلاء الأطفال الذين اعتادوا أن ينتظروا العيد بشغف، ليختاروا ملابسهم الجديدة وأحذيتهم، ويتلقّوا الهدايا من كلّ أحبائهم، ها هم اليوم يقضون أيامهم داخل خيمٍ منصوبةٍ في الحدائق العامة، أو في مدارسٍ تحوّلت إلى مراكز إيواء، بعدما أجبرتهم الغارات الإسرائيلية العنيفة على النزوح من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وصولاً إلى أحياء عدة من بيروت. تبدّلت تفاصيل البراعم الصغيرة، واختفت ملامح الفرح التي كانت تُرسم كل عام، ليحلّ مكانها قلقٌ دائم وأسئلةٌ أكبر من أعمارهم.
يبحثون عن العيد في منازلهم
في جولةٍ لـ "ليبانون ديبايت"، تختصر شهادات الأطفال وأهاليهم حجم المأساة. يقول "علي"، وهو طفل في الثانية عشرة من عمره: "هذا العيد لا أشعر به أبداً… أنا بعيد عن بيتي وأصدقائي، وحتى أقاربي تفرّقوا، كل واحد في مركز إيواء". وتتدخّل والدته بصوتٍ يختلط فيه الحزن بالعجز، "لن أستطيع هذا العام شراء أحذية جديدة لأولادي الثلاثة… الإمكانيات لا تسمح، ونحن نوفّر ما تبقّى معنا لأي طارئ، لأننا لا نعرف إلى متى ستستمر هذه الحرب".
أما آلاء، طفلة الثمانية أعوام، فتختصر أمنياتها بكلمات بسيطة: "أريد أن أعود إلى بيتي… إلى غرفتي وألعابي، وأن أفرح بالعيد مع رفاقي". تقول ذلك من داخل خيمة إيواء نُصبت في حديقة ملعب كميل شمعون الرياضي، حيث تحوّلت المساحات المخصصة للعب إلى ملاذٍ مؤقت لعائلات أنهكها النزوح.
وفي زاوية أخرى، يقف "أبو هادي"، محاولاً أن يتمالك نفسه وهو يسمع الأطفال يعبّرون عن مكنوناتهم بحسرة، لا يستطيع الرجل أن يُخفي غصّته، يقترب مني ويقول: "كيف لنا أن نُعيّد بعيداً عن أرضنا وجنوبنا وأحبائنا؟". ورغم ذلك، يؤكد أنه سيبذل كل ما بوسعه لإدخال الفرح إلى قلوب أطفاله: "سأشتري لهم الحلوى والسندويشات الجاهزة كما كنا نفعل دائماً لكن على قدر الإمكانيات، وأشكر الجمعيات التي تساعدنا… لقد قدّموا لنا بعض الثياب، وقالوا لنا إنهم سيأتون يوم العيد بهدايا للأطفال".
أنشطة ترفيهية
أمام هذا الواقع القاسي، تحاول بعض جمعيات الإغاثة التخفيف من وطأة المشهد، عبر تنظيم أنشطة ترفيهية داخل مراكز الإيواء، من ألعاب هوائية كـ"الزحاليط" و"المراجيح"، إلى إقامة "كرمسات" صغيرة تمنح الأطفال لحظات عابرة من الفرح. ولا يقتصر الأمر على المبادرات المنظّمة، إذ يبادر بعض الشبان والشابات داخل مراكز الإيواء إلى صنع ألعاب بسيطة أو ابتكار وسائل ترفيهية بجهودهم الخاصة، في محاولة لزرع الابتسامة على وجوه الأطفال النازحين، علّهم ينجحون، ولو مؤقتاً، في انتزاعهم من قسوة الواقع، وملء قلوبهم بشيء من السعادة التي اعتادوا أن تلمع في عيونهم.
هكذا، يقف أطفال لبنان اليوم عند تقاطعٍ مؤلم بين ذاكرة عيدٍ كان يُشبههم، وواقعٍ فرضته الحرب. فرحٌ مبتور، وغصّةٌ لا تغيب، لكن خلف كل ذلك، يظلّ الأمل قائماً بأن يعود كل طفل إلى منزله، معافى وسالماً، ليستعيد حقّه البسيط… في عيدٍ يشبه طفولة جميلة.