“ليبانون ديبايت”
في وقت كان يُفترض أن ينصبّ فيه كل جهد وزارة الاتصالات والجهات المعنية على تأمين الاتصالات والإنترنت، وحماية استمرارية الشبكات، ومواكبة الناس في مراكز النزوح، وضمان الحد الأدنى من الخدمة العامة تحت النار، بدا أن الأولوية تسلك اتجاهًا مختلفًا تمامًا، وتحديدًا تحت إدارة وزير الاتصالات شارل حاج، الذي لا يمكن فصله عن هذا المسار المتسارع والمثير للجدل. فبدل أن تكون الحرب دافعًا لإطلاق خطة طوارئ وطنية لقطاع الاتصالات، تحوّلت، في عهده، إلى مظلة يتقدّم تحتها مشروع تلزيم إدارة وتشغيل شبكتي الخليوي، في خطوة لا تعكس فقط خللًا فادحًا في ترتيب الأولويات، بل تكشف اندفاعة سياسية واضحة من الوزير نحو فرض خيار بنيوي مكلف، ولو على حساب الحد الأدنى من استمرارية المرفق العام في زمن الحرب، ما يفتح الباب أمام شبهة استغلال الظرف الاستثنائي لتمرير مسار لا يحتمل لا التأجيل ولا الغموض.
الملف المطروح لا يتصل بإجراء إداري عابر، ولا بتفصيل تقني محدود، بل بمسار كامل لتلزيم إدارة وتشغيل شركتي الخليوي Alfa وTouch، كما يتبين من دفتر الشروط الصادر في 4 آذار 2026، ومن الخطوات التنفيذية التي تتابعت بوتيرة لافتة تحت إشراف مباشر من وزارة الاتصالات. وهذا التقدم، رغم كونه لا يزال موضع مساءلة سياسية مفتوحة، يعزز الانطباع بأن القرار لم يكن قيد النقاش أصلًا، بل اتُّخذ مسبقًا، وأن ما يجري ليس إلا تنفيذًا متدرجًا لخيار محسوم، ما يضع الوزير شارل حاج في موقع المسؤولية المباشرة عن الدفع بهذا المسار، قبل استكمال أي غطاء قانوني أو سياسي واضح.
المفارقة الأساسية أن هذا المسار تقدّم عمليًا بعد سؤال نيابي مؤرخ في 11 شباط 2026، طلب من الحكومة توضيح الأساس القانوني والمالي والمؤسساتي لقرار مجلس الوزراء رقم 5 الصادر بتاريخ 15 كانون الثاني 2026، والمتعلق بتلزيم إدارة وتشغيل شبكتي الخليوي. وهذا لا يطرح فقط علامة استفهام حول توقيت التنفيذ، بل يضع أداء الوزير تحت مجهر المساءلة: كيف يُستكمل التنفيذ فيما المشروعية نفسها لا تزال موضع سؤال؟ ولماذا اختار شارل حاج المضي قدمًا بدل التوقف لتقديم التوضيحات المطلوبة؟ وهل كان الهدف تجاوز المساءلة بدل الإجابة عليها؟
الأخطر أن ما طُرح لم يكن مجرد إعداد داخلي لدفتر شروط، بل انتقالًا فعليًا إلى مرحلة التعاقد على خدمات استشارية لإعداد ملف التلزيم واتفاقية الإدارة والتشغيل، في خطوة جرت تحت مظلة وزارة الاتصالات، رغم أن مجلس الوزراء طلب إعداد دفتر الشروط، لا تلزيمه لجهات خارجية. وهنا لا تعود المسألة تقنية أو تفسيرًا إداريًا، بل تتحول إلى قرار سياسي صريح يتحمّل مسؤوليته الوزير: من أجاز هذا التوسّع؟ وعلى أي أساس جرى فتح باب الإنفاق؟ ولماذا تم تجاوز حدود القرار الحكومي بهذا الشكل، وفي هذا التوقيت تحديدًا؟
في 8 آذار 2026، أي بعد أيام من بدء الحملة الإسرائيلية الواسعة على لبنان، أطلقت الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات طلب تقديم عروض للحصول على خدمات استشارية لإعداد ملف التلزيم، في خطوة لا يمكن فصلها عن توجهات وزارة الاتصالات بقيادة شارل حاج، والتي اختارت المضي بهذا المسار في ذروة الانهيار الأمني والإنساني. ورغم أن الإعلان تحدّث عن تحسين الحوكمة وتحديث الخدمات، إلا أن الإصرار على إطلاق هذا المسار في عز الحرب لا يمكن تفسيره كأولوية إصلاح، بل كإصرار سياسي على تمرير مشروع، بغض النظر عن الظروف، ما يعزز الشكوك حول الدوافع الفعلية خلفه.
لكن الإشكالية لا تتوقف عند القرار الإداري، بل تمتد إلى شبكة العلاقات التي تحيط به. فالمعطيات التي تتقاطع حول زيارات متكررة مرتبطة بمجموعة الخرافي إلى لبنان، والتزامن بينها وبين اندفاعة الوزارة نحو التلزيم، تفرض طرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذه العلاقة، وحول ما إذا كان هذا المسار يجري في إطار تنافسي شفاف، أم ضمن سياق تمهيد لشراكات محددة. وهنا، لا يمكن تجاهل أن الوزير شارل حاج، بصفته صاحب القرار، يتحمّل مسؤولية توضيح هذه التقاطعات، لا تركها تتضخم في ظل الغموض، لأن استمرار هذا التوازي بين العلاقات والقرارات لا يؤدي إلا إلى تعزيز الشبهات.
وفي زمن الحرب، يصبح هذا المسار أكثر خطورة. إذ بينما كان اللبنانيون يواجهون واحدة من أقسى المراحل في تاريخهم، مع تهجير يقارب المليون مواطن، وتدمير عشرات آلاف الوحدات السكنية، وتهجير أكثر من 110 مناطق، وسقوط آلاف الضحايا بين شهيد وجريح، كانت وزارة الاتصالات، بقيادة الوزير نفسه، تدفع نحو فتح باب مناقصات وتعاقدات بنيوية، بدل أن تنصرف إلى إدارة الأزمة وتأمين استمرارية الشبكات. وهذا التناقض لا يمكن تبريره، بل يعكس خللًا جوهريًا في أولويات الوزير، ويطرح سؤالًا مشروعًا: هل كان شارل حاج يدير قطاع الاتصالات… أم يعيد رسمه في لحظة انهيار؟
فالوقائع الميدانية أظهرت تضررًا واسعًا في خدمات الاتصالات والانترنت، وعجزًا في مواكبة مراكز النزوح وتأمين الحد الأدنى من الخدمة، في وقت كان يفترض أن تكون فيه الوزارة في حالة استنفار كامل. ومع ذلك، استمر الدفع نحو مشروع التلزيم، وكأن الانقطاع ليس أولوية، وكأن الناس ليست أولوية، وكأن الحرب ليست أولوية. وهذا ما يضع أداء الوزير أمام مساءلة مباشرة: لماذا لم تكن حماية الشبكة أولوية؟ ولماذا تقدّم خيار التلزيم على حساب إدارة الانهيار؟
الشق المالي يزيد الصورة خطورة. إذ إن فتح باب الإنفاق على استشاريين، وربما لاحقًا على مشغّلين خارجيين، في هذا التوقيت، لا يمكن فصله عن تساؤلات حول حسن إدارة المال العام، وحول الجهات التي قد تستفيد من هذا المسار. كما أن غياب الوضوح حول مصادر التمويل، في ظل أزمة مالية خانقة، يعزز الانطباع بأن القرار لم يُبنَ على أولويات الدولة، بل على اعتبارات أخرى، يتحمّل الوزير مسؤولية توضيحها للرأي العام.
الأخطر أن الإصرار على المضي بهذا المسار، رغم الحرب ورغم المساءلة النيابية، يجعل من الصعب فصل هذا الإصرار عن شبكة العلاقات التي تفرض نفسها في خلفية المشهد، وعن الاهتمام الخارجي المتزايد بالقطاع. وهنا، يتحول السؤال إلى مستوى أكثر حساسية: هل نحن أمام مسار إصلاحي فعلي، أم أمام إعادة توزيع للقطاع تحت عنوان الإصلاح؟ وهل القرار سيادي بالكامل، أم أنه يتقاطع مع مصالح وشراكات يجري التحضير لها بصمت؟
في المحصلة، لا يمكن التعامل مع ما يجري كخلاف إداري أو تقني، بل كخيار سياسي تتحمل مسؤوليته وزارة الاتصالات ووزيرها شارل حاج بشكل مباشر. لأن ما يحصل لا يقتصر على إدارة قطاع، بل يصل إلى إعادة تشكيله في توقيت هو الأخطر في تاريخ لبنان الحديث، وبطريقة تثير أكثر من علامة استفهام حول الأهداف والنتائج.
وفي الخلاصة، فإن ما يثير القلق ليس فقط مضمون الخطوة، بل إصرار الوزير على الدفع بها في هذا التوقيت تحديدًا، رغم كل المعطيات التي تفرض عكس ذلك. ففي اللحظة التي كان يفترض فيها أن يكون الهم الأول هو تأمين الاتصالات والإنترنت وصون استمرارية المرفق العام، اختار شارل حاج مسارًا آخر، تحيط به الشبهات، وتواكبه العلاقات المثيرة للتساؤل، ويزداد خطورة مع كل خطوة إلى الأمام. ومن هنا، لا يعود التحذير مجرد موقف، بل ضرورة، لأن ما يجري لا يبدو إصلاحًا بقدر ما يبدو محاولة لفرض واقع جديد، قد تكون كلفته على الدولة والقطاع أعلى بكثير مما يُعلن.