"ليبانون ديبايت"
في لحظة واحدة، يهتزّ الهواء فوق المدن والبلدات اللبنانية، يتردّد دويّ حاد يشبه الانفجار، وتُفتح في الوقت نفسه عشرات الشاشات والهواتف. ثوانٍ قليلة فقط تفصل بين الصوت واندفاع الناس إلى البحث: "ماذا استُهدف؟". هكذا تحوّل "جدار الصوت" من ظاهرة علمية إلى حدث يومي يُقاس بوقعه النفسي، لا بآثاره المادية.
في التعريف العلمي، لا وجود لـ"جدار" بالمعنى الحرفي. ما يحدث هو انتقال الطائرة من سرعة دون صوتية إلى سرعة تفوق سرعة الصوت، التي تبلغ نحو 1234 كلم/ساعة عند سطح البحر. عند هذه المرحلة، تتراكم الموجات الصوتية أمام الطائرة، ثم تندمج لتشكّل ما يُعرف بـ"الموجة الصدمية". وعندما تصل هذه الموجة إلى الأرض، تُسمع كدويّ قوي يُعرف بـ"الانفجار الصوتي"، وذلك بحسب وكالة "ناسا".
هذا الصوت ليس انفجارًا فعليًا، بل نتيجة تغيّر حاد ومفاجئ في ضغط الهواء، إلا أن وقعه قد يكون كافيًا لهزّ النوافذ وإرباك الناس، خصوصًا في بيئة تعيش تحت تهديد دائم.
لكن في السياق اللبناني، لا يُستقبل هذا الصوت كظاهرة فيزيائية. هو، قبل أي شيء، إنذار. ليس إنذارًا رسميًا، بل انعكاسًا لذاكرة جماعية تراكمت عبر سنوات من الغارات الإسرائيلية المفاجئة. فالتجارب السابقة، وصولًا إلى التصعيد الأخير خلال الشهر الحالي، جعلت من الصعب الفصل بين "خرق صوتي" و"ضربة وشيكة"، وبين دويّ عابر ومؤشر خطر. لذلك، يتحوّل الصوت إلى لحظة قلق جماعي، تُختصر بسلوك متكرر: البحث الفوري عن موقع الاستهداف.
في هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى ما حصل أمس الجمعة، إذ تزامن "جدار الصوت" بشكل مباشر مع حدث علني. فخلال إلقاء نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب رسالة بمناسبة عيد الفطر، أقدم الطيران الحربي الإسرائيلي على خرق جدار الصوت على دفعتين فوق بيروت ومناطق في البقاع، ما أعاد أجواء التوتر إلى سماء العاصمة ومحيطها.
وأدى هذا الخرق إلى دويّ انفجارات قوية سُمعت في مختلف المناطق، وامتد صداها وصولًا إلى ساحل المتن، فيما أفادت المعطيات الميدانية بأن الخرقين وقعا بفارق زمني قصير، وتسببا بحالة من القلق في صفوف المواطنين، لا سيما في العاصمة وضواحيها، حيث شعر السكان باهتزازات ناتجة عن شدة الصوت.
لحظة حدوث #جدار_صوت أثناء رسالة #عيد_الفطر#redtvlebanon pic.twitter.com/tyujxnFEfR
— Red TV Lebanon (@redtvlebanon) March 20, 2026
هذا التزامن لم يكن تفصيلاً عابرًا. فهو يعكس استخدامًا محسوبًا لتوقيت خرق جدار الصوت، بحيث يتجاوز البعد العسكري إلى البعد الرمزي والسياسي، عبر إدخال عنصر الإرباك في لحظة خطاب ديني عام، بما يعزّز من أثر الرسالة النفسية ويضاعف وقعها في الداخل اللبناني.
في هذا الإطار، لم يعد خرق جدار الصوت مجرد نتيجة تقنية لتحليق طائرة بسرعة عالية، بل أصبح أداة تُستخدم ضمن تكتيك واضح في الحرب الإسرائيلية على لبنان. فالتحليق فوق مناطق مأهولة بسرعة تفوق الصوت يحقق هدفًا مزدوجًا: من جهة، يوجّه رسالة سيطرة جوية مفادها أن المجال اللبناني مكشوف بالكامل؛ ومن جهة أخرى، يزرع حالة من التوتر الدائم من دون الحاجة إلى تصعيد مباشر.
هذا الاستخدام يندرج ضمن ما يُعرف بالحرب النفسية، حيث لا يكون الهدف إحداث دمار مباشر، بل التأثير في سلوك المجتمع. الصوت المفاجئ والعنيف يعيد ضبط إيقاع الحياة اليومية على قاعدة الترقّب، ويجعل القلق حالة مستمرة، لا استثناء. ومع تكرار هذه الظاهرة خلال الأيام الماضية، تحوّل الخوف إلى جزء من الروتين، وباتت السماء مصدر تهديد دائم حتى في لحظات الهدوء الظاهري.
وفي هذا السياق، تطرح مسألة المشروعية القانونية لهذا السلوك نفسها بقوة. فبحسب دراسة لأستاذة في القانون الدولي في جامعة قطر عام 2024، فإن استخدام خرق "جدار الصوت" لا يُعد محظورًا بحد ذاته في القانون الدولي الإنساني، إلا أن مشروعيته تبقى مرتبطة بالسياق والغاية. فإذا جاء هذا الاستخدام في إطار عملية عسكرية فعلية وضمن حدود الضرورة والتناسب، يمكن اعتباره عملاً مشروعًا. أما إذا استُخدم بشكل مستقل بهدف بث الذعر بين المدنيين أو الضغط النفسي عليهم من دون هدف عسكري مباشر، فإنه يندرج ضمن الأفعال المحظورة، كونه يتعارض مع مبدأ حماية السكان المدنيين وحظر ترويعهم.
ضمن هذا المشهد، يبدو "جدار الصوت" كأداة مكمّلة في معادلة الحرب: إبقاء الجبهة اللبنانية تحت الضغط، استنزاف الأعصاب، وتعزيز الإحساس بأن التصعيد يمكن أن يحدث في أي لحظة. إنها سياسة تقوم على خلط الإيقاع بين الضربة والصوت، بين الفعل والتهديد، بحيث يصبح التمييز بينهما أكثر صعوبة.
بين العلم والسياسة، تتبدّل وظيفة الظواهر. ما تشرحه كتب الفيزياء كمجرد تفاعل بين السرعة والضغط، يتحوّل في الواقع إلى وسيلة ضغط وإيصال رسائل في سياق الحرب الإسرائيلية على لبنان. ومع تكرار خروقات "جدار الصوت" في الأيام الأخيرة، لم يعد هذا الصوت مجرد حدث عابر، بل جزءًا من مشهد التصعيد نفسه.
وبين دويّ مفاجئ وصمت ثقيل، يبقى السؤال الذي يتكرّر في كل مرة داخل البيوت والشوارع: هل كان مجرد صوت… أم غارة جديدة؟.