في وقت تضيق فيه إيران الخناق على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم عبر مضيق هرمز، تتجه الأنظار إلى جبهة جديدة قد تقلب موازين الصراع، حيث يلوّح الحوثيون في اليمن بالانخراط في المواجهة، ما يهدد بإغلاق مسار بديل حيوي للتجارة العالمية عبر البحر الأحمر.
وبحسب تقرير في صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط يراقبون عن كثب تحركات جماعة الحوثي المدعومة من إيران، والتي سبق أن عطّلت الملاحة في البحر الأحمر على مدى عامين تقريبًا عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويشير التقرير إلى أن إيران نجحت بالفعل في خنق حركة النفط عبر الخليج من خلال السيطرة على مضيق هرمز، لكنها لم تمنع حتى الآن استخدام مسارات بديلة تمر عبر البحر الأحمر. إلا أن هذا الواقع قد يتغير في حال قرر الحوثيون الدخول المباشر في الحرب.
وفي هذا السياق، قال آدم بارون، الباحث في مركز "نيو أميركا"، إن "دخول الحوثيين إلى الصراع يرفع مستوى المخاطر بشكل كبير"، موضحًا أن ذلك سيؤدي إلى إدخال قناة السويس ومصر بشكل مباشر في المعادلة، فضلًا عن تعميق انخراط السعودية في المواجهة.
ويُعد الحوثيون أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، إلى جانب "حزب الله" في لبنان وفصائل عراقية حليفة لطهران، والتي انخرطت بالفعل في المواجهة عبر استهداف إسرائيل وقواعد أميركية. أما الحوثيون، فرغم بقائهم خارج المعركة حتى الآن، فقد أرسلوا إشارات واضحة إلى استعدادهم للتحرك.
وقال القيادي الحوثي محمد البخيتي: "إصبعنا على الزناد… انضمام اليمن إلى الصراع مسألة وقت فقط"، في تصريح يعكس تصاعد الخطاب التهديدي خلال الأيام الأخيرة.
ويمتلك الحوثيون سجلًا عسكريًا لافتًا، إذ سيطروا على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من اليمن منذ أكثر من عقد، وصمدوا في وجه تحالف عربي بقيادة السعودية والإمارات. وخلال حرب غزة، أدت هجماتهم على السفن وإسرائيل، التي تبعد أكثر من 1000 ميل، إلى تعطيل شبه كامل لحركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، ما دفع شركات الشحن إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح الأطول.
ورغم أن إدارة ترامب أطلقت حملة عسكرية ضد الحوثيين قبل عام، استمرت نحو شهرين وانتهت بوقف إطلاق نار، إلا أن الجماعة بقيت قادرة على تنفيذ هجمات، قبل أن تتوقف مؤقتًا عقب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة العام الماضي.
اليوم، ومع إغلاق هرمز، يبرز البحر الأحمر كممر بديل، خصوصًا عبر خط الأنابيب السعودي الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لتتجه السفن بعدها عبر مضيق باب المندب، الذي يمر بمحاذاة مناطق يسيطر عليها الحوثيون، ما يمنحهم موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية.
وفي هذا الإطار، قال بارون إن الحوثيين "يمتلكون موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية"، مضيفًا أن استخدامهم كأداة لإغلاق ممر ملاحي إضافي يشكل الخيار الأسهل لإيران إذا أرادت زيادة الضغط الاقتصادي.
في المقابل، تسعى السعودية إلى إبقاء الحوثيين خارج المواجهة، مستندة إلى تفاهم عام 2022 الذي ينص على عدم استهداف أراضيها أو سفنها، فيما تعمل واشنطن وتل أبيب على تجنب أي خطوات قد تستفز الجماعة وتدفعها للدخول في الحرب.
غير أن القرار الحوثي لا يبدو خاضعًا بالكامل لإيران، إذ تشير تقديرات إلى أن الجماعة تأخذ في الاعتبار حسابات داخلية، خاصة أن انخراطها في حرب ضد دول عربية قد ينعكس سلبًا على شعبيتها، رغم استفادتها سابقًا من دعم القضية الفلسطينية.
ويحذر التقرير من أن دخول الحوثيين سيضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الصراع، خصوصًا في ظل ما شهدته جبهات أخرى، حيث أدى انخراط "حزب الله" إلى تصعيد واسع وغارات إسرائيلية مكثفة، فيما عادت الساحة العراقية إلى التوتر مع استهداف قواعد أميركية.
ورغم الضربات التي تعرض لها الحوثيون العام الماضي، لا تزال الجماعة تحتفظ بقدرات عسكرية، فيما تشير تقديرات إلى أنها تنتظر "ساعة الصفر"، إما كضربة مفاجئة تعزز موقعها، أو كورقة ضغط في أي مفاوضات مقبلة.
في المحصلة، يبدو أن المعركة لم تعد محصورة في مضيق هرمز، بل مرشحة للامتداد إلى البحر الأحمر، حيث قد يتحول باب المندب إلى نقطة اشتعال جديدة، ما يعني أن طرق الطاقة العالمية باتت رهينة حسابات عسكرية تتجاوز الجغرافيا… وتقترب من إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة.