في وقت تتصاعد فيه المواجهة العسكرية مع إيران، تكشف الأرقام الأولية عن كلفة يومية ضخمة للحرب تقارب 2 مليار دولار، ما يضع الولايات المتحدة أمام تحدٍ مزدوج: تمويل العمليات الجارية وضمان استمراريتها في ظل ضغوط سياسية داخلية وتداعيات اقتصادية عالمية متسارعة.
وبحسب تقرير للصحافي توماس واتكينز في واشنطن، فإن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أكد أن الجيش الأميركي يمتلك "الكثير من المال" لتمويل الحرب الحالية، لكنه شدد في الوقت نفسه على الحاجة إلى موارد إضافية لضمان استدامة الإمدادات العسكرية في المرحلة المقبلة.
ورغم أن وزارة الدفاع الأميركية لم تنشر حصيلة رسمية متكاملة لكلفة الحرب، إلا أن معطيات أولية عرضها مسؤولون في البنتاغون أمام سياسيين أميركيين هذا الشهر تشير إلى أن النفقات بلغت أكثر من 11.3 مليار دولار خلال الأيام الستة الأولى فقط، أي ما يقارب 2 مليار دولار يوميًا.
وتعود الحصة الأكبر من هذه الكلفة إلى استخدام القنابل والصواريخ الاعتراضية، التي يتجاوز سعر بعضها مليون دولار للوحدة، في ظل تنفيذ آلاف الضربات داخل إيران واعتراض مسيّرات وصواريخ في الأجواء.
ويأتي ذلك رغم أن ميزانية الدفاع الأميركية السنوية تبلغ نحو 1 تريليون دولار، ما يجعل الولايات المتحدة أكبر منفق عسكري في العالم، إذ تمثل نحو 40% من الإنفاق الدفاعي العالمي، متقدمة على الدول التسع التالية مجتمعة. ويسعى الرئيس دونالد ترامب إلى رفع هذه الميزانية إلى 1.5 تريليون دولار سنويًا.
وفي هذا السياق، طلب البنتاغون من الكونغرس تخصيص 200 مليار دولار إضافية، بهدف إعادة ملء مخزونات الصواريخ ومواصلة تمويل العمليات ضد إيران. وقال بيسنت في مقابلة مع شبكة "إن بي سي نيوز": "لدينا الكثير من المال لتمويل هذه الحرب… هذا تمويل إضافي. الرئيس ترامب عزز الجيش كما فعل في ولايته الأولى، وهو يفعل ذلك الآن في ولايته الثانية، ويريد التأكد من أن الجيش مجهز بشكل جيد في المستقبل".
غير أن هذا الطلب يواجه عقبات سياسية، إذ لم يستشر ترامب الكونغرس قبل بدء الهجمات على إيران، ما أثار اعتراضات حتى داخل الحزب الجمهوري. وأعلنت النائبة لورين بوبيرت رفضها الموافقة على تمويل إضافي، معتبرة أن الإنفاق الخارجي أصبح عبئًا، خصوصًا أن ترامب كان قد خاض حملته الانتخابية على وعد بعدم خوض حروب جديدة.
في المقابل، تبقى الصين ثاني أكبر منفق عسكري عالميًا بميزانية تقارب 300 مليار دولار سنويًا، فيما كانت الإدارة الأميركية قد أطلقت بالفعل قبل الحرب خططًا واسعة لزيادة الإنفاق العسكري، تشمل تحديث الترسانة النووية وتسريع آليات شراء الأسلحة.
ورغم تقدير الكلفة اليومية بنحو 2 مليار دولار، تشير التجارب السابقة في أفغانستان والعراق إلى أن الكلفة الفعلية للحروب تتجاوز بكثير الإنفاق المباشر، إذ تتراكم مع نفقات رعاية الجرحى والفوائد على الديون، وقد قُدّرت الكلفة الإجمالية لهاتين الحربين بنحو 8 تريليونات دولار.
ومع اقتراب الدين العام الأميركي من 40 تريليون دولار، يُرجح أن تُضاف كلفة الحرب الجديدة إلى هذا العبء، في وقت بدأت فيه الأسواق العالمية تشهد ارتفاعًا في أسعار النفط والغاز، مع توقعات بمزيد من الارتفاع نتيجة استمرار إغلاق مضيق هرمز، ما ينعكس مباشرة على اقتصادات المنطقة، ومنها لبنان.
ورغم هذه التداعيات، اعتبر بيسنت أن الكلفة قصيرة الأمد مبررة، قائلًا: "لن أحدد إطارًا زمنيًا، لكن لنفترض 50 يومًا من ارتفاع الأسعار مؤقتًا… بعدها ستنخفض الأسعار مقابل 50 عامًا من عدم وجود نظام إيراني يمتلك سلاحًا نوويًا"، مضيفًا أن "الشعب الأميركي بدأ يفهم أنه لا ازدهار من دون أمن".
بين استنزاف مالي متسارع واعتراضات سياسية متزايدة وتداعيات مباشرة على أسعار الطاقة عالميًا، تبدو واشنطن أمام معركة لا تُقاس فقط بميزان القوة العسكرية، بل بقدرتها على تحمّل كلفة حرب مفتوحة قد ترتدّ ارتداداتها على المنطقة بأكملها، بما فيها لبنان.