في تحول لافت يعكس إعادة تموضع في الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران، تكشف معطيات جديدة أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدأت فعليًا البحث عن شريك من داخل النظام الإيراني، في خطوة توحي بالانتقال من منطق الضربات العسكرية إلى محاولة فرض نهاية تفاوضية للصراع، وذلك عبر 3 مؤشرات أساسية تبرز هذا التوجه.
المؤشر الأول يتمثل في الأسماء المطروحة داخل البيت الأبيض. وبحسب تقرير للصحافيين داشا بيرنز، إيلي ستوكولز وديانا نيروزي في موقع Politico، تدرس الإدارة الأميركية بشكل هادئ اسم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، البالغ 64 عامًا، كخيار محتمل لشراكة سياسية، وربما حتى كقيادة مستقبلية يمكن التفاوض معها، رغم مواقفه السابقة التي تضمنت تهديدات مباشرة للولايات المتحدة وحلفائها.
ويؤكد مسؤولان في الإدارة الأميركية، تحدثا بشرط عدم الكشف عن هويتهما، أن قاليباف يُنظر إليه داخل بعض دوائر البيت الأبيض كـ"شريك قابل للعمل"، مشيرين في الوقت نفسه إلى أن القرار لم يُحسم بعد، وأن واشنطن تختبر عدة أسماء في إطار ما وصفته بـ"مرحلة الاختبار".
أما المؤشر الثاني، فيظهر في طبيعة المقاربة الأميركية الجديدة، حيث قال أحد المسؤولين: "هو خيار بارز… لكنه ليس الوحيد. علينا أن نختبر الجميع، ولا يمكن التسرع". ويعكس هذا التوجه رغبة أميركية واضحة في إيجاد مخرج من الأزمة الإيرانية التي أثرت سريعًا على الأسواق العالمية، ورفعت أسعار النفط، وأعادت القلق بشأن التضخم، ما يجعل البحث عن شريك تفاوضي أولوية ملحة.
وفي هذا السياق، ألمح ترامب إلى وجود تواصل مع شخصيات "قوية جدًا" داخل إيران، معلنًا تعليق الضربات العسكرية على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة 5 أيام، بالتزامن مع بدء مسار دبلوماسي بين طهران وواشنطن.
ويبرز المؤشر الثالث في البعد الاقتصادي الذي يحكم القرار الأميركي، إذ نقل التقرير عن مسؤول في الإدارة أن ترامب يفضّل عدم استهداف جزيرة خرج، المركز النفطي الرئيسي في إيران، على أمل التوصل إلى اتفاق مع قيادة جديدة، شبيه بالترتيب الذي حصل في فنزويلا. وأضاف: "الفكرة هي تثبيت شخصية في السلطة، والعمل معها، والحصول على صفقة جيدة، خصوصًا في ملف النفط".
لكن هذه المقاربة لا تحظى بإجماع داخل واشنطن، إذ اعتبر بعض المقربين من فريق الأمن القومي أن الرهان على اختيار قيادة إيرانية موالية قد يكون سابقًا لأوانه، وربما ساذجًا، في ظل قدرة طهران على امتصاص الضربات والاستمرار في الضغط.
وفي السياق نفسه، شكك مسؤول خليجي مطلع في جدية التقدم في المفاوضات، معتبرًا أن ترامب قد يكون يضخم المؤشرات لشراء الوقت وتهدئة الأسواق، خصوصًا بعد تهديده السابق بقصف منشآت الطاقة الإيرانية إذا لم يُعاد فتح مضيق هرمز.
أما على المستوى الإيراني الداخلي، فيبقى قاليباف شخصية معقدة، إذ وصفه علي واعظ، الباحث في "مجموعة الأزمات الدولية"، بأنه "رجل من داخل النظام بامتياز، طموح وعملي، لكنه ملتزم بشكل أساسي بالحفاظ على النظام الإسلامي"، ما يجعله مرشحًا غير مرجح لتقديم تنازلات جوهرية لواشنطن، حتى لو أبدى مرونة تكتيكية.
وفي مقابل استبعاد شخصيات معارضة في الخارج، مثل رضا بهلوي، الذي ترى الإدارة الأميركية أنه يفتقر إلى الشرعية داخل إيران، تركز واشنطن على شخصيات من داخل النظام، في محاولة لإيجاد ما يشبه "النموذج الفنزويلي" داخل طهران.
ورغم نفي قاليباف وجود أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، تقلل مصادر أميركية من أهمية هذا النفي، معتبرة أنه يندرج في إطار الحسابات الداخلية الإيرانية.
وفي ظل استمرار الاتصالات غير المباشرة، تؤكد الإدارة الأميركية أنها لا تزال في مرحلة "اختبار الأسماء"، حيث قال أحد المسؤولين: "نحن نحاول معرفة من يمكنه الصعود، ومن يريد ذلك، ومن يسعى إليه… ثم نقوم باختباره سريعًا".
في المحصلة، تعكس هذه المؤشرات الثلاث انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة عنوانها البحث عن "شريك من داخل النظام"، في وقت لم تحسم فيه واشنطن خيارها بعد، وسط شكوك عميقة بقدرة أي شخصية إيرانية على تلبية الشروط الأميركية، ما يجعل مسار التسوية لا يزال محفوفًا بالتعقيدات والاختبارات.