في وقت تتكثف فيه الأحاديث عن مسارات تفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران، تكشف مواقف صادرة من داخل المشهد اللبناني صورة مختلفة، تعكس تصدعات داخلية وتباعدًا في قراءة مسار الحرب، خصوصًا في البيئة الشيعية التي تجد نفسها في قلب المواجهة، وذلك في سياق مقابلة لافتة أجراها باحث لبناني مع قناة إسرائيلية، ما يطرح تساؤلات إضافية في ظل قانون المقاطعة المعمول به في لبنان.
وبحسب مقابلة أجرتها الصحافية سبير ليبكين مع الباحث اللبناني حسين عبد الحسين على "القناة 12 الإسرائيلية"، أكد الأخير أن الربط بين الحرب في إيران والتصعيد في لبنان “لا يقف على أرضية واقعية”، مشددًا على أن ما يجري في الساحة اللبنانية له جذور وسياق مستقلان، رغم الارتباط السياسي والعسكري بين حزب الله وطهران.
وأوضح عبد الحسين، الذي نشأ في بعلبك ويعمل حاليًا باحثًا في معهد FDD في واشنطن، أن “حرب 2024 توقفت مع توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية”، إلا أن “الحكومة اللبنانية لم تلتزم بتعهداتها، فيما واصل الجيش الإسرائيلي استهداف حزب الله”، ما يجعل النزاع “قصة طويلة لا ترتبط مباشرة بإيران، رغم أن الأخيرة تستفيد منه وتستخدمه للضغط على إسرائيل والولايات المتحدة”.
وأضاف: “حتى لو حاولت إيران الربط بين إنهاء الحرب على أراضيها ووقف القتال بين حزب الله وإسرائيل، فهذا ليس سيناريو واقعيًا”، معتبرًا أن الولايات المتحدة ستتعاطى مع الحرب ضد إيران بشكل منفصل عن الساحة اللبنانية، التي تبقى في نظرها “شأنًا إسرائيليًا”.
وشدد على أن “إيران لا تملك القدرة على فرض شروط تضمن مصالح حزب الله ضمن أي اتفاق”، لأن ذلك يتعارض مع القرار 1701 واتفاق وقف إطلاق النار والإطار الدولي القائم، مؤكداً أن “لبنان يبقى ساحة مستقلة، مهما بلغت قوة العلاقة بين الحزب وطهران”.
وفي قراءة للواقع الداخلي، لفت عبد الحسين إلى أن دخول حزب الله الحرب إلى جانب إيران شكّل صدمة حتى داخل البيئة الشيعية، قائلاً إن “اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة، تفاجأوا بهذا القرار”، مضيفًا أن آلاف العائلات اضطرت للنزوح خلال شهر رمضان، وسط ظروف قاسية، حيث “نام بعضهم في السيارات، فيما واجه آخرون صعوبة في استئجار منازل بسبب مخاوف من استهدافها”.
وأشار إلى أن هذه التطورات ولّدت حالة توتر داخلي، موضحًا أن “لبنانيين غير شيعة امتنعوا عن تأجير منازل لعائلات شيعية خوفًا من وجود عناصر من حزب الله بينهم، ما قد يعرضهم للقصف”، ما يعكس حجم القلق والانقسام داخل المجتمع اللبناني.
وفي توصيف دقيق للمزاج داخل البيئة الشيعية، نقل عبد الحسين حالة استياء واضحة، قائلاً: “15 شهرًا لم تردوا، لكن عندما أصبحت إيران في خطر أدخلتمونا في الحرب”، في إشارة إلى توقيت قرار التصعيد، الذي جاء بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، ما عزز الانطباع لدى كثيرين بأن “هذه ليست حرب لبنان، بل حرب إيران”.
وفي سياق متصل، اعتبر أن قرار إدخال حزب الله في المعركة في هذا التوقيت يطرح تساؤلات حول مدى استقلاليته، خصوصًا أن الحزب لم يرد على استهدافات سابقة طالت قياداته، قبل أن يتحرك فور تعرض إيران لضربة مباشرة.
وعن المشهد اللبناني الأوسع، رأى عبد الحسين أن الأزمة تتجاوز الصراع الإقليمي، معتبرًا أن “المشكلة الحقيقية تكمن في الخلل البنيوي في الدولة اللبنانية”، مشيرًا إلى أن رفض تسليم السلاح مرتبط أولاً بالديناميكيات الداخلية، وليس فقط بعوامل خارجية.
وأضاف: “المجتمع الدولي يطرح حلولًا متعددة، من دعم الجيش إلى الضغط على إيران، لكنه لا يدرك أن جوهر الأزمة داخلي”، معتبرًا أن أي معالجة جدية للوضع في لبنان يجب أن تبدأ من إصلاح هذا الخلل.
وفي ما يتعلق بالتصعيد الميداني، أوضح أن أي تقدم للجيش الإسرائيلي داخل جنوب لبنان قد يهدف إلى إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، لتقليل الاحتكاك المباشر، مشيرًا إلى أن “الوصول إلى نهر الليطاني سيجبر حزب الله على استخدام صواريخ بعيدة المدى، ما يسهل رصدها واستهدافها”.
وختم بالإشارة إلى أن هذا الواقع يعكس مرحلة معقدة يتداخل فيها البعد الإقليمي مع الانقسام الداخلي، ما يجعل لبنان مرة جديدة ساحة مفتوحة لتجاذبات تتجاوز حدوده، في وقت يتزايد فيه الشعور بأن كلفة هذه المواجهة تُدفع داخليًا قبل أي مكان آخر، فيما يضيف ظهور هذه المواقف عبر منصة إعلامية عبرية بُعدًا حساسًا يتجاوز المضمون السياسي إلى الإطار القانوني والسيادي.