"ليبانون ديبايت"- باسمة عطوي
لن تقتصر التداعيات المالية والإقتصادية للحرب الدائرة في لبنان والمنطقة على اللبنانيين المُقيمين، بل يُمكن أن تطال أيضا المغتربين في دول الخليج، الذين يعوّل على تحويلاتهم المالية لإبقاء دماء الحياة جارية في شرايين الإقتصاد اللبناني، والتي تّقدر ب6 مليار و500 مليون دولار سنويا (بحسب أرقام مصرف لبنان). وقد سبق لهذه التحويلات أن ساندت بلاد الأرز في محطتين أساسيتين، جائحة كورونا والإنهيار المالي المستمر إلى يومنا هذا.
الحديث عن هذه التداعيات مردّه إلى حجم العمالة اللبنانية في دول الخليج والتي تقارب نصف مليون مغترب، والكلام المُتزايد عن إمكانية إستغناء الشركات تباعا عن هذه العمالة، بسبب ظروف الحرب وفي حال طالت مدتها الزمنية. وهذا ما يتخوّف منه اللبنانيون العاملون في هذه الدول، على ما توكد زينة -ع ل"ليبانون ديبايت" كونها تعمل في دولة قطر وتقول أن "الحديث عن إستغناء الشركات عن موظفيها من كل الجنسيات، قد بدأ ليس فقط في قطر بل أيضا في دبي حيث يعمل أصدقاؤها. فالعديد من هذه الشركات جمّد إجراءات تجديد الإقامات وعقود العمل لموظفيهم بعد أن شارفت على الإنتهاء، تحسبا لأي إجراء مُحتمل بسبب التصعيد الحاصل".
يُقدّر حجم العمالة والوجود اللبناني في دول الخليج العربي بنحو450 إلى 500 ألف شخص، يتركز معظمهم في السعودية والإمارات العربية المتحدة. وتُعتبر هذه العمالة، التي تشمل كفاءات عالية كأطباء ومهندسين ومدراء، مصدراً حيوياً للتحويلات المالية التي تدعم الإقتصاد اللبناني، خاصة بعد هجرة نحو 80 ألف لبناني إضافي إلى المنطقة بين 2020-2022.
بلغة الأرقام تضم المملكة العربية السعودية الجالية الأكبر من اللبنانيين، حيث يُقدر عددهم بنحو 300 ألف نسمة، وفي الإمارات العربية المتحدة تصل بعض التقديرات إلى وجود حوالي 156 ألف لبناني يعمل هناك، ويُقدر عدد الجالية اللبنانية المقيمة في الكويت106 آلاف مُغترب، كما تشير بعض الإحصاءات إلى وجود ما مجموعه 191 ألف لبناني في قطر. وتُعد تحويلات العمالة اللبنانية من الخليج من أهم مصادر تلبية حاجات لبنان للعملة الصعبة، في مقابل عجز الميزان التجاري بلغ قرابة 17.44 مليار دولار أميركي العام 2025 و 14.2 مليار دولار في 2024. لكن الثابت أنه لم تنقطع تحويلات المغتربين عن لبنان حتى في أكثر الظروف قساوة، رغم أنها شهدت بعض الضمور في خلال فنرة جائحة كورونا في 2020 ، بنحو 10 بالمئة وإنخفضت من 6.9 في العام 2019 إلى 6.2 في العام 2020، بعدها عاد حجم هذه التحويلات ليتعافى تدريجيًا، بالتوازي مع التحسّن التدريجي في الأوضاع الإقتصاديّة في دول الاغتراب.
غبريل: التمديد لمجلس النواب سيقلّص الإهتمام الإستثماري للمغتربين بلبنان
لا يستغرب رئيس مركز الأبحاث في بنك بيبلوس الخبير الإقتصادي نسيب غبريل، أن تتراجع نسبة تحويلات المغتربين من دول الخليج إلى لبنان بنسب ضئيلة بسبب الحرب القائمة لكنه يجزم بأنها لن تتوقف، ويشرح ل"ليبانون ديبايت" أن "هناك تهويلا منذ إندلاع الحرب في المنطقة بأن تحويلات المغتربين إلى لبنان ستتقلص، لكن هذه الآراء غير علمية ولا إقتصادية لأن تحويلات المغتربين إلى لبنان، هي عقد إجتماعي خاص بين المغترب وذويه وتُخصص للإستعمال الشخصي وليس للإستثمار أو الترفيه"، مشددا على أنه "تاريخيا هذه التحويلات لم تتراجع خلال الأزمات ولا سيما تلك التي طالت دول مجلس الخليج العربي، ومعدلها يصل إلى 6 مليار و500 مليون دولار سنويا، وخلال الأزمة المالية العالمية في 2008 أو جائحة كورونا 2020، وبالرغم من أن هاتين الحالتين أثّرتا على الحركة الإقتصادية في بلدان الخليج العربي، لكنها لم تؤدِ إلى تراجع تحويلات المغتربين إلى لبنان".
يضيف:"النقطة المهمة التي يجب الإشارة إليها هي أن دول الخليج العربي، تعافت من الأزمة المالية وجائحة كورونا بسرعة كبيرة، وسيتعافون أيضا من الحرب الدائرة على أبوابهم. حتى لو حصل تباطؤ في الحركة الإقتصادية وتداعيات على إقتصادات دول الخليج العربي، لكنهم يملكون الأُسس والبُنى التحتية والمناخ الإستثماري وبيئة الأعمال والموارد والصناديق السيادية والقيادة، لإستعادة هذه الإقتصادات لحركتها الطبيعية بسرعة".
يشير غبريل إلى أنه "صحيح أن تحويلات المغتربين في دول الخليج هي أساسية للبنان ولكنها ليست وحيدة وتُشكل نحو 50 بالمئة من هذه التحويلات، إلا أن النصف الآخر يأتي من مغتربين موجودين في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية وأستراليا وأفريقيا، ولهذا السبب لا تتراجع التحويلات في وقت عصفت الأزمات في العالم والتي كان لها تداعيات على دول الخليج العربي"، مُنبها إلى أن "تحويلات المغتربين ترتفع حين يكون هناك أزمة في لبنان، ففي العام 2024 وبعد توسع الحرب الإسرائيلية على لبنان زادت هذه التحويلات الى نحو 7 مليار دولار، بعد أن سجلت في العام 2023 6 مليار و400 الف دولار، وفي العام 2025 عادت الى معدلها الطبيعي أي 6 مليار و500 مليون دولار".
ويخلص غبريل إلى أن "الحرب الدائرة يُمكن أن تؤدي إلى تراجع تحويلات المغتربين ولكن بنسبة صغيرة، كما أنه من المُبكر الحديث عن هذا الأمر لأنه تاريخيا لم تؤثر الأزمات العالمية على تحويلات المغتربين (الازمة المالية وكورونا)، وليس غريبا أن تتراجع بعض الشيء ولكن ليس بشكل جذري".
ويختم:"هناك نقطة أود أن ألفت النظر إليها وهي أن التمديد لمجلس النواب سيساهم بتراجع الإهتمام الإستثماري للمغتربين بلبنان، كونهم كانوا من المُتحمسين لإجراء الإنتخابات وتعديل قانون الإنتخاب لمنحهم حق التصويت من الخارج. هناك دراسات تشير إلى إنخراط المغتربين بنشاطات سياسية في بلدهم الأم سيدفعهم للإستثمار الإقتصادي فيه، ولذلك قد تتراجع رغبتهم في الإستثمار في البلد نتيجة التمديد للمجلس وعرقلة منحهم الحق بالتصويت المغتربين في الخارج".