بين شاشات تداول حمراء وتوقعات لا تزال مفعمة بالتفاؤل، دخل الذهب مرحلة اختبار حقيقية مع انزلاقه الواضح إلى منطقة "السوق الهابطة"، متخليًا عن مستويات تاريخية سجلها مطلع العام، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها المعدن النفيس.
فقد دفعت قوة الدولار الأميركي وانحسار التوترات الجيوسياسية مؤقتًا الأسعار إلى التراجع بنحو 21 بالمئة عن ذروتها، إلا أن مؤسسات تحليل كبرى لا تزال تراهن على موجة صعودية بعيدة المدى، مستندة إلى عوامل هيكلية وطلب متزايد من البنوك المركزية.
وبحسب تقرير نشرته شبكة "سي إن بي سي"، واطلعت عليه "سكاي نيوز عربية"، تراجعت الأسعار الفورية للذهب الثلاثاء بنسبة وصلت إلى 2 بالمئة قبل أن تقلص خسائرها إلى 1.5 بالمئة لتسجل 4,335.97 دولارًا للأونصة، فيما انخفضت العقود الآجلة بنحو 2 بالمئة إلى 4,317.80 دولارًا.
ويُبقي هذا التراجع الذهب – الذي فقد نحو 21 بالمئة من قيمته منذ ذروته أواخر يناير عند 5,594.82 دولارًا – في نطاق سوق هابطة بشكل واضح.
ورغم النزيف الحالي، يتمسك بعض الاستراتيجيين بتوقعات طموحة. إذ قال إد يارديني، رئيس شركة "يارديني للأبحاث": "نتوقع أن يصل سعر الذهب إلى 10,000 دولار بنهاية العقد". ورغم خفض توقعاته لنهاية العام إلى 5,000 دولار بدلًا من 6,000، إلا أن هذا المستوى لا يزال أعلى بنحو 15 بالمئة من الأسعار الحالية.
وأوضح أن موجة البيع جاءت نتيجة تصفية مراكز استثمارية في ظل قوة الدولار وبوادر انحسار التوترات الجيوسياسية عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق الضربات ضد البنية التحتية للطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام.
بدوره، أكد جاستن لين، استراتيجي الاستثمار في Global X ETFs، أن توقعه الأساسي لا يزال عند 6,000 دولار للأونصة بنهاية العام، معتبرًا التراجع الأخير "نقطة دخول جذابة"، ومشيرًا إلى أن عمليات البيع تعكس حساسية تجاه أسعار الفائدة وإعادة توازن المحافظ وشعورًا عامًا بالاطمئنان تجاه الوضع في إيران.
وفي الاتجاه ذاته، أكد بنك "ستاندرد تشارترد" تمسكه بنظرة إيجابية طويلة الأجل. وقال راجات بهاتاشاريا، كبير استراتيجيي الاستثمار في البنك، إن الذهب مدعوم بعوامل هيكلية، أبرزها الطلب القوي من البنوك المركزية في الأسواق الناشئة وتنويع الاستثمارات.
ويتوقع البنك تعافي السعر إلى 5,375 دولارًا خلال ثلاثة أشهر، مع وجود دعم فني قرب 4,100 دولار، لافتًا إلى أن ضعف الدولار المرتقب مع توقعات خفض الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي قد يعيد الزخم للسوق.
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي علي حمودي أن التراجع الحاد يمثل "تصحيحًا مؤقتًا" ضمن مسار صعودي أوسع، وليس نهاية للاتجاه الطويل الأمد. وأشار إلى أن الأسعار انخفضت بأكثر من 11 بالمئة خلال أسبوع واحد لتلامس نحو 4,400 دولار في إحدى المراحل، في أسوأ أداء منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وأوضح أن عمليات البيع كانت مدفوعة بالسيولة وجني الأرباح وقوة الدولار، لا بانهيار في الأساسيات الداعمة.
ورأى أن الدعم الهيكلي يتمثل في استمرار شراء البنوك المركزية، والتحوط الجيوسياسي، واستمرار التضخم وارتفاع الدين الأميركي، إضافة إلى السياسات الأميركية المتقلبة، ما يجعل الذهب ملاذًا آمنًا خلال السنوات الثلاث المقبلة.
بدوره، وصف الدكتور مصطفى بدرة النزيف الحالي بأنه "متوقع" في ضوء التباطؤ الاقتصادي العالمي ومخاوف استمرار الحرب. لكنه شدد على أن التراجع لا يستدعي القلق طويل الأجل.
وأشار إلى أن تقديرات بعض بيوت الخبرة تتراوح بين 7,000 و8,000 دولار، فيما يذهب البعض إلى 10,000 دولار بحلول نهاية 2026، مستندين إلى القوة الشرائية الآسيوية، خصوصًا من الصين والهند، إضافة إلى توجه بعض الدول لتعزيز احتياطياتها بعيدًا عن الدولار.
وخلص بدرة إلى أن بلوغ مستوى 10,000 دولار للأونصة "ممكن التحقق" ضمن الإطار الزمني الممتد حتى نهاية 2026.