"ليبانون ديبايت" - محمد المدني
أن يصوّت نواب على قانون تمديد ولاية مجلس النواب، ثم يتقدّم بعضهم أو من هم في الدائرة السياسية ذاتها بطعن ضده، فهذا ليس اجتهادًا ديمقراطيًا، بل سلوك مزدوج يضرب صدقية العمل النيابي في الصميم.
المسألة هنا لا تتعلق بنقاش قانوني حول مبدأ التمديد أو مدى دستوريته، بل تتعلق بمفهوم المسؤولية السياسية. النائب لا يمكن أن يكون في موقع المشرّع الذي يقرّ قانونًا، ثم ينتقل في اليوم التالي إلى موقع المعترض عليه وكأنه خارج المنظومة. هذا ليس دفاعًا عن الدستور، بل محاولة مكشوفة لإعادة التموضع أمام الرأي العام، وكأن الناس لا تتابع ولا تحاسب.
الخطير في هذا السلوك أنه يستخف بعقول اللبنانيين، ويقدّم نموذجًا عن العمل السياسي القائم على المزايدة بدل الالتزام. فحين يصبح التصويت في المجلس شيئًا، والخطاب الإعلامي شيئًا آخر، نكون أمام أزمة أخلاقية في الحياة السياسية، لا مجرد اختلاف في وجهات النظر.
ثم إن منطق الطعن بحد ذاته، رغم ما يحمله من شعارات عن "الإرادة الشعبية" و"دورية الانتخابات"، يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته عندما يصدر عمّن شارك في إنتاج الواقع الذي يعترض عليه. هنا يتحوّل الطعن من أداة رقابية مشروعة إلى أداة سياسية للاستهلاك، تُستخدم لتحسين الصورة لا لتصحيح المسار.
في المقابل، إذا كان هناك اقتناع فعلي بأن التمديد يشكّل مخالفة دستورية أو اعتداءً على مبدأ تداول السلطة، فالموقف الطبيعي والواضح هو الاستقالة من المجلس، والعودة إلى الناس لطلب تفويض جديد. أما الجمع بين التمديد والطعن، فهو تناقض لا يمكن تبريره، ويضع أصحابه في موقع الشبهة السياسية والأخلاقية.
في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان، لم يعد مقبولًا هذا النوع من الأداء الذي يقوم على تسجيل النقاط. المطلوب وضوح في المواقف، وثبات في الخيارات، واحترام لعقول الناس التي لم تعد تحتمل هذا القدر من الاستخفاف.
لبنان اليوم بحاجة إلى طبقة سياسية تتحمّل مسؤولية قراراتها، لا إلى مناورات إعلامية تُدار على حساب الثقة العامة. وأي محاولة للالتفاف على هذا الواقع لن تؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الناس ومؤسساتهم، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى إعادة بناء هذه الثقة على أسس جدية وصادقة.