"ليبانون ديبايت"-سمر يموت
في خضمّ الحرب التي يعيشها لبنان، لم تعد جبهات المواجهة محصورة بالميدان العسكري، بل امتدّت إلى الفضاء الرقمي، حيث تتصاعد حدّة الخطاب الطائفي والانفعالي على وسائل التواصل الاجتماعي. وبينما يبدو هذا الخطاب وكأنّه يتكاثر تلقائياً، تبرز تساؤلات حول دور الخوارزميات في تضخيمه، وما إذا كانت تساهم في تأجيج الانقسام داخل المجتمع.
لا تُنشئ الخوارزميات الخطاب الطائفي بحدّ ذاته، بل تعطي الأولوية للمحتوى الأكثر إثارة للتفاعل والانفعالات. وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير في شؤون الاتصالات والتكنولوجيا عامر طبش أنّ "هذه الخوارزميات تروّج للمحتوى الذي يحرّك مشاعر المستخدمين، لا سيما الغضب والخوف، وهو ما يتصاعد بشكل ملحوظ خلال فترات الحرب والتوترات الأمنية".
ويشير طبش في حديث لـ "ليبانون ديبايت" إلى أنّ "ما تقوم به الخوارزميات يُعرف بمفهوم "التضخيم" (Amplification)، أي تسريع انتشار هذا النوع من المحتوى على حساب الخطاب الهادئ أو المعلومات الدقيقة، نظراً إلى أنّ المستخدمين يميلون في هذه الظروف إلى استهلاك المحتوى الانفعالي والتفاعل معه بشكل أكبر".
أما بشأن ما يُتداول حول "الحروب الافتراضية"، فيلفت إلى أنّ ما نشهده حالياً لا يمكن تصنيفه بالكامل ضمن هذا الإطار، بل هو في جزء كبير منه تعبير عفوي عن آراء قد تكون صحيحة أو خاطئة. ويضيف: "نحن اليوم أمام سجال رقمي ناتج عن طبيعة البشر واختلافاتهم، ولم يصل بعد إلى مستوى الحرب الافتراضية بالمعنى الكامل". يشرح طبش أنّ هذا المستوى يتحقق "عندما تدخل الحسابات الوهمية والحملات المنظمة والمموّلة على خط التفاعل، حيث تعمل بشكل ممنهج على تضخيم الخطاب وتأجيج الانقسام، وتحويل النقاش الطبيعي إلى صراع رقمي ممتدّ، قد تكون أطرافه داخلية أو خارجية."
نمط الانتشار والحملات المنظّمة
وفيما يتعلق برصد هذا الخطاب، يوضح طبش أنّ المؤشرات التقنية تعتمد على تحليل "نمط الانتشار" (Pattern of Distribution)، إذ يمكن التمييز بين الانتشار الطبيعي والمنسّق. فالتفاعل العفوي يكون تدريجياً ومحدود التأثير، في حين أنّ الحملات المنسّقة تظهر بشكل مفاجئ وتحقق انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. كما يشير إلى وجود ما يُعرف بـ "الحسابات المركزية"، وهي شبكات من الحسابات المرتبطة أحياناً بجهات سياسية أو مؤثرين، تنشط بشكل متزامن وتروّج لأفكار متشابهة، ما يشكّل مؤشراً واضحاً على وجود حملات منظمة.
ويخلص طبش إلى أنّ التعامل مع هذه الظاهرة لا يقتضي الحدّ من حرية التعبير، بل يتطلّب وعياً أكبر بآليات عمل الخوارزميات، والتمييز بين ما هو تفاعل عفوي وما هو موجّه ومنسّق، بما يحدّ من تأثيره على السلم الاجتماعي.