Beirut
15°
|
Homepage
النار تشب في "السترات الصفراء"
عبدالله قمح | الاربعاء 09 كانون الثاني 2019

"ليبانون ديبايت" - عبدالله قمح

حلّت العاصفة "نورما" ثقيلة على الناشطين والمجموعات المدنية المتظللين بـ "السترات الصفراء" أملاً في تصحيح وضع مهترأ. ينتاب المتابعين أن عصفاً ذات كتل هوائية شديدة البرودة طالهم عند أول دعسة. هؤلاء الذين لفحوا بهبة ساخنة يوم 23 كانون الأول على إثر أول نزول سجّلت حقوقه تحت إسمهم ما جعلهم في إنتشاء مبين، ضربوا بعارض بارد جمّد أوصالهم في ٦ كانون الثاني إلى حد بلوغ الجليد رأس الهرم، ما كان له أن أنهى حراكاً دُعيَ اليه.

لعل أقصى تبيعات العاصفة، أنها أدخلت المعركة إلى "بلوك" الناشطين والمجموعات وجعلتهم في جدل "بيزنطي" يعكس نذر صراع أشد يلوح في الأفق، شبيه تقريباً بالذي انتابَ الرؤوس الحامية زمن حراك عام ٢٠١٥، ما كان له أن أفقد وهجه وجعله آلهة من تمر أُكلت من الجميع عند أول إختبار. هذا تحديداً ما يخشاه بعض الناشطين من أصحابِ نظرية "الثّورة المستمرة" اليوم.


يوم الأحد، ارتأت بعض المجموعات المنضوية تحت خيمة الدّعوة، تأجيل التظاهرة إلى موعد يحدّد لاحقاً متحججين بسوء الأحوال الجوية. في الظاهر كان الطقس سبباً في التأجيل، أما في الباطن يتضح وجود "أشياء أخرى" كان لها تأثير أبلغ على القرار، لكن جرى إغتنام ذريعة الطقس كي لا يظنّ البعض أنّ الإلغاء هو عزوف عن متابعة ما جرى الإبتداء به، بل يمكن أن يكون "فسحة" لتعزيز الحضور بشكل أكبر!

مجموعات أخرى لم تحبّذ الفكرة. رأت في قاعدة التبرير إتهاماً يضر ولا يفيد. نزلت وحيدةً إلى السّاحة لكنها لم تدم طويلاً. انسحبت تكتيكياً بعد أن ثبتت الحضور على وسائل التواصل. من هنا، إتضحَ أن هناك تضارب في مصالح الأطراف، وإبتعاد عن التوحد خلف معيار واضح للمشاركة، وظهرَ أن أكثر من رأس يدير التركيبة أو له تأثير عليها، وهو ما لا يعد أمراً مستقيماً في حراك من هذا النوع.

ثمّة وجهة نظر تقول، أن التأجيل بالشكل الذي جيء به كان "ضربة معلم" بحيث حسب المنظمون أن أحداً لن يغامر وينزل في طقسٍ عاصف، ولو أنهم أبقوا على الدعوة قائمة في ظل حضور كان متوقعاً أن يكون "دون الصفر"، لكان الحراك ضرب في أساسه ووفر مادة تسويق مجانية تستخدم في إستهدافه. وجهة نظر معقولة، لكن ما لا يعقل أن ينبري أحد إلى الهرولة من الطقس العاصف وثمّة عواصف أعتى، سياسيّة الطابع، تضرب مراسي البلاد.

البرودة التي طبعت الأحد، لا يبدو أنها انسحبت على جملة إجتماعات عُقدت قبل أيام بين بعض المجموعات والناشطين تحت عنوان: التنظيم وتوحيد القرار. ما يُسرّب يشيرُ إلى حماوة غير مسبوقة طبعت تلك اللقاءات ودلت إلى أن أحوال المجموعات، الوليدة منها والسّابقة، ليست بخير، طالما أنها ما زالت تفتقد إلى دماغِ تدار عبره، بل تجنح صوب عدة رؤوس لكل واحدة منها أجندة خاصّة.

علاوةً على ذلك، فإن أمراً مريباً دخلَ إلى مسارِ الحراك لا يبشر بالخير وينذر في حال تثبيته بسابقة خطيرة، بل يدل إلى مدى إبتعاد الناشطين عن بعضهم، وميلانهم صوب إنتهاج سياسةِ "رد الكف" إزاء أمور قديمة حدثت بينهم، ترجم ذلك بعلامته الأولى عبر رفع دعاوى قضائية بحق بعضهم أمام المراجع المختصة، في سابقة حملت طابع الثأر ذات المحامل الصراعية الموجودة لدى الطبقة الحاكمة!

الغريب، أن هؤلاء الذين يجهدون من أجلِ إعلاء كلمة تغيير وإستبدال الطبقة السّياسية، يلجؤون إلى قضاء يُعد أحد فلذات كبد الطبقة للبت في خلافات بين بعضهم بعضاً!! هل يعقل؟

عموماً، ثمّة تبريرات شتى تعود لأسباب رفع الدعاوى القضائية. جزء يراها جائزة سيّما وأن ما حدث بين عددٍ من النّاشطين في ساحةِ إعتصام 23 بلغ حدود الإشتباك وحمل محامل شخصية، متغذياً على خلافاتٍ عدّة منها النظرة تجاه مسألة أبوة الدعوة إلى الإعتصام والقرار بفكه وأسباب تعود إلى "رفض القيادة الموحدة"، وآخر يعتقدُ أن الهدف من الدعاوى "تكريس الحكم الواحد للحراك، وهو ما رفضناه في حراك ٢٠١٥ ومستعدون لرفضه وإسقاطه الآن".

في أي حال، لا يُعد الخلاف على أبوة الحراك أو قيادته أو الخلافات القديمة إحدى أسباب النزاع الحالي. بنظرة دقيقة، يتبين أن ثمّة أمراً أخطر يمكن تلخيصه بغياب الخطاب السّياسي الموحد الجامع الذي يشيرُ إلى الأهداف من وراء الحراك، وظهور تباينات عميقة في المطالب.

فالبعض أرادَ للحراك أن يكون اجتماعياً بحتاً يطالبُ بالعادلة الإجتماعية والحقوق، كما تصر مجموعة "السترات الصفراء". آخرون من النشطاء المتفرقين، يريدون أن يكون حراكاً يحمل طابعاً سياسياً مستنسخاً عن حراك ٢٠١٥ لكن بشكل جديد، يدعو إلى إستبدال النظام الحالي بآخر. طرف ثالث أقل واقعيّة يفضل أن يبقي على الخيرات مفتوحة، أي أن لا يكون هناك سقف خطاب سياسي محدد للتظاهرة وفق قاعدة: "اتركوا الناس تحكي"، لكن تحت هذا السقف جملة محاذير: "ممنوع شتم السياسيين والرموز". هذا الطرف ذهب من باله أن هذا النوع يمكن أن يخرج الحراك عن إطاره. لذا أسست تلك الإختلافات لنمط أشد من النزاع.

ليس إتهاماً إن قلنا إن الاختلافات في صف الحراك الجديد نابعة اصلاً من إختلاف في طروحات المنظمين المتباعدين فكرياً والقادمين من شتى الأهواء السّياسية. هؤلاء مثلاً لا تجمعهم سوى المصيبة من جراء السياسات الراهنة، أما الحل لهذه المعضلة، وفي ظل الإختلافات العميقة التي تشبه إلى حد كبير الخلافات في البنية الإجتماعية اللبنانية، يكمن في الإتفاق على قاعدة واحدة، وهذه بحد ذاته مسألة معقدة وفيها ضرب من ضروب الخيال.

عند هذا الحال، على الحراك أن يأخذ بعين الإعتبار جملة مواضيع تقوده إلى النجاح، لعل أولها ترك طبائع الإستبداد والثأر والتفرد بالقرار والعصيان وتكبير الحجر أو اللجوء إلى القضاء جانباً ريثما ينجح. ولكل حادث حديث!
إقرأ المزيد
أمير قطر في بيروت
الاكثر قراءة
رحيل الاعلامية مي منسّى 9 قطر أمام فرصة ذهبية 5 بالفيديو: جندي لبناني يعطف على طفلة متسولة 1
رسالة من رئيس الوزراء العراقي إلى بري 10 دمشق منزعجة من التظاهرة العربية في بيروت 6 وديعة بمليار دولار في المصرف المركزي 2
حبشي لوزير الاشغال: شكراً 11 غياب القادة العرب عن قمة بيروت ضربة موجعة لعون وعهده 7 المرعبي "يطلق النار" على باسيل...والحريري بالمرصاد 3
انفجار في محيط دمشق 12 السيد: فَعَلها أمير قطر وخَطَف الأضواء 8 عتب كبير على حزب الله 4
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر