Beirut
26°
|
Homepage
الحريري... "إسفنجة" العهد حين تنتفض!
ملاك عقيل | الاربعاء 12 حزيران 2019

"ليبانون ديبايت" - ملاك عقيل

على مشارف السنة الثالثة لانتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية يكاد يكون العهد برمّته في "ورطة" وليس فريقاً سياسياً بالتحديد. كلام الرئيس سعد الحريري أمس عَكس عمق هذه الورطة الى حدّ توجيه اتهام غير مسبوق للفريق المحسوب على العهد بالتدخل والضغط مباشرة في ملف قضائي متعلّق بقرار المحكمة العسكرية في قضية المقدم سوزان الحاج والمقرصن ايلي غبش، واستطراداً منح هذا الفريق الغطاء لقاض "انقلب على صلاحياته"... و"هو لن يسكت على ذلك"!

وكرّت سبحة "الاتهامات" في مؤتمر "التدخل السريع"، وإن المتأخر، لاستعادة "هيبة" الموقع والصلاحيات ورئاسة الحكومة "يللي ما حدن بمدّ أيدو عليها". لن يكون مألوفاً في لغة التخاطب السياسي أن تصل المنازلة المباشرة مع من "أزعج" رئيس الحكومة بكلامه الى حدّ قول الأخير "من يعتبر أن موقفي ضعيفاً، أنا بفرجي وين القوة"... و"تحدّي أكبر رأس"، (قاصداً من فريقه)، يعمّم فكرة الاحباط السني!


عملياً، لا وزيرة الداخلية ريا الحسن ولا اللواء عماد عثمان، في زيارتهما المشتركة الى طرابلس عقب المجزرة التي ارتكبها الارهابي عبد الرحمن مبسوط، ولا حالة الاستنفار لأمين عام "تيار المستقبل" أحمد الحريري على "تويتر" وعلى الارض، وصولاً الى زيارة وفد "تيار المستقبل" الى طرابلس بعد أسبوع من الجريمة، ولا "حروب تويتر" التي خاضتها بعض قيادات "تيار المستقبل" للردّ على "استفزازات" الوزير جبران باسيل وقيادات محسوبة عليه، على خلفية أكثر من ملف خلافي... كل هذه المبادرات لم تستطع أن تغطّي الغياب المدوّي للحريري عن مسرح الأحداث في الأسابيع الماضية، ولا أن تبرّر عدم قطع الحريري إجازته لقول ما قاله بالأمس.

مؤتمر "ردّ الاعتبار" حاول التعويض عن "مرحلة الصمت" التي فسّرت "ضعفاً". وها هو الحريري، الذي كان "يغلي من الداخل"، على حدّ تعبيره، يقرّ بما سبقه اليه العديد من أهل البيت "الغضب الذي حكي عنه في الوسط السني "ما فينا نغطي عليه" ونعتبر أنه غير موجود. هذا غضب حقيقي ناتج عن سلوك وممارسات سياسية من شركاء أساسيين". أخيراً قالها الحريري. هو الغضب السني بوجه بعض رموز العهد. لكنه استتبع جملته برسالة مباشرة خصّ بها "المزايدين" عليه: "شركاؤنا الاساسيون في ممارساتهم أعطوا الفرصة للبعض ليصبّوا البنزين على نار الغضب"، متحدياً هؤلاء "لن أقبل بعد اليوم أن يزايد أحد عليّ".

غيابٌ الحريري في الواقع توّج مسلسل الانتكاسات والإحباط الذي بدأ يشعر به "تيار المستقبل" بعد الأشهر الأولى للتسوية الرئاسية، وبلغ ذروته في الاسابيع المنصرمة وسط الاشتباك المفتوح مع الوزير جبران باسيل و"التيار الوطني الحر"، بالتوازي مع اشتباك تكبر دائرته شيئاً فشيئاً بين الحريري و"أهل بيته"، ولا شئ يدلّ حتى الان بأن "المطالعة الدفاعية" لرئيس الحكومة قد تؤدي بالضرورة الى انحساره.

قد تكون كبرى المفارقات التي تطبع "العهد الحريري" حالياً أن تنبري شخصيات من داخل بيته السياسي لتلوّح باستقالة محتملة ل "الشيخ سعد"، بسبب عجزه عن المواجهة، فتأتي التطمينات من... الرئيس نجيب ميقاتي، الخصم "الكامن" والمنافس بالجينات لزعامة ابن رفيق الحريري عبر قوله "الحريري باق خلال هذا العهد رئيساً للحكومة"!

من دون أدنى شك عبّد الحريري الطريق لمناوئيه ليستسهلوا التصويب عليه. عيّن رئيساً للحكومة، للمرة الثالثة، لكن هذه المرة مثقلاً بديون خارجية وداخلية وبيع ممتلكات وأراضي، وغياب للراعي الاقليمي، و"قلّة مالية" لدى محازبيه، ونقمة على ما وصفه أحد العاملين في تلفزيون "المستقبل" ب "حالة العبودية" بسبب حالة الاستنزاف و"العمل من دون قبض رواتب لسنوات"، مع تراجع هائل في الخدمات يستغلّه أخصامه في الساحة السنية بذكاء.

حتى بعض ديون الانتخابات النيابية الماضية، وفق المعلومات، لم تسدّد بعد. وزارة الداخلية اليوم أقفلت باب التنفيعات أمام "الأصدقاء والمعارف والمؤيدين" قبل الحلفاء والخصوم، و"أزلام" الحريري في القضاء والامن والادارة والوزارات صاروا عرضة مباشرة للمساءلة والمحاسبة... وفوق كل ذلك، "تعاطي" فوقي مع الحريري وإصرار على تحجيم أي دور له في اي ملف ما أشعره بأن ثمّة من يمنّنه بقبول تعيينه رئيساً للحكومة!

فاقم في الوضع الأداء الضعيف لرئيس الحكومة، أقلّه إعلامياً، حيث نجح التواطوء غير المقصود بين "فريق العهد" والمستائين من الحريري في بيئته السنية على تصويره "تابعاً" وليس صاحب قرار، في مقابل "اسطول" إعلامي يروّج بانتظام "لانجازات" "وليّ العهد". ربما هذا ما يفسّر تحديداً اضطرار الحريري في بعض الاحيان الى "لملمة" صورته بنفسه، كما فعل بعد العودة من باريس، وسابقاً حين انفجرت عقدة التمثيل السني المعارض بوجهه خلال مفاوضات تشكيل الحكومة.

ربما مشكلة الحريري الحقيقية أن من داخل بيته "الأزرق" الكبير، وبين حلفائه، وحتى خصومه، من بات يتصرّف على أساس أن من "يضمن" بقاء "الشيخ" في موقع السلطة واستمراره فيها ليست التوازنات الخارجية بقدر ما هي داخلية، ولذلك لا شئ يفسّر المهادنة الحريرية غير المسبوقة مع "حزب الله" وتفرّجه على موجة "الاجتياح" العوني للدولة، بكافة مرافقها، تحت عنوان استعادة الدور، سوى التيقّن بأن عدول أحد الطرفين عن التزامه لن يعني سوى إقفال بيت الوسط سياسياً، وربما إتاحة المجال لمن يقف على "رصيف" بيت الوسط اليوم ليأخذ فرصته في الحكم!

وثمّة من المطلعين أيضاً من يشير الى عاملين أساسيين يفسّران حال المهادنة وكتمّ الانفاس لدى الحريري في مواجهة ما يتعرّض له الى حدّ لعبه دور "الأسفنجة"، بغض النظر عن "الانتفاضة" المتأخرة خلال مؤتمره الصحافي: أولاً خوفه من أي صدام مع العهد، أو مع "حزب الله"، يُدخل الشارع السني في مواجهة مجهولة النتائج، ويطيّر فرصة "سيدر" الذهبية. وثانياً، ما يصفه العارفون ب "التبعية" المالية لسعد حريري لعلاء الخواجة الذي تربطه في الوقت نفسه علاقة متينة جداً ترتقي الى مستوى الصداقة مع ميشال عون وجبران باسيل. هي القطبة المخفية بين هذا الثلاثي في وقت يؤكد العارفون ان الخواجة هو حبل النجاة الاقتصادي للحريري إن من خلال مروحة علاقاته المتشابكة أو بوصفه "الخزانة" المالية لرئيس الحكومة.

استطراداً، لبّ موضوع معركة الحريري الابن على الأرجح اليوم ليس ضمان بقائه رئيساً للحكومة للعهد الحالي بقدر حجز "مقعده" لما بعد ولاية عون الرئاسية، وحتى الان لم يقدّم الحريري ما يمكن أن يزكّيه رئيساَ للحكومة "حتى إشعار آخر"، في وقت لا يتوانى جبران باسيل عن فعل اي شئ لفرض نفسه، داخلياً، الرقم الصعب حين يحين آوان انتخابات رئاسة الجمهورية. فالسقف العالي الذي رفعه الحريري سيكون محط اختبار في الاستحقاقات المتتالية، ولا شئ يضمن عدم عودة "الشيخ سعد" الى طشرنقة الصمت" مجدداً.

عملياً، ليست أزمة باسيل "الداخلية"، ضمن بيته ، أخفّ وطأة من أزمة الحريري مع فريقه السياسي الناقم. باسيل ليس فاقداً للكاريزما عند المسيحيين ولدى اللبنانيي فقط، بل يواجه وضعاً صعباً ضمن العائلة الصغيرة أولا وضمن حزبه ثانياً. خلافات العائلة صارت فوق السطوح ببعدها العائلي والسياسي والحزبي. ولعلّ أول من سيرفع الفيتو بوجه باسيل حين يوضع على الطاولة "أرث عون" هي العائلة قبل أي خصم آخر. أما حزبياً ففريق المعارضة العوني لن يستكين ولن يتراجع، ولا يزيده إصراراً سوى علمه بحالة التململ داخل الحزب، والاستقالات المستمرة، والاستدعاءات المتكرّرة ل "المشاغبين" أمام المجلس التحكيمي، وتحوّل حزب "التيار الوطني الحر" أكثر من أي وقت مضى الى حزب "الأمر لي". لا يرى المعارضون لباسيل في فتح "خيم" أو "كيوسكات" لتنسيب محازبين عند كل مناسبة أو احتفال او تظاهرة سوى دليل إفلاس حيث يطغى همّ زيادة العدد على عامل الالتزام السياسي والاقتناع بمبادئ الحزب، وما حصل في بعلبك-الهرمل مؤخراً أكبر دليل على ذلك.

مع ذلك، ورغم توسّع رقعة المستائين من باسيل من وزراء ونواب وسياسيين وأمنيين وعسكريين، فإن الرجل "طاحش" كالصاروخ. يتقدّم بسرعة قياسية. خصومه يقولون... نحو الهاوية، أما مؤيدوه فيجزمون: يتقدّم، بغطاء من رئيس الجمهورية، نحو مشروع استرداد الدولة واستعادة التوازن، وهذا ما يفسّر الحرب "الكونية" التي تشنّ ضده من قبل المتضررين من بقاء الدولة على شكل "مزرعة"!.

لا تستقيم هذه المطالعة الدفاعية عن باسيل سوى مع واقع أن الرجل، برغم كل ما يساق ضده، يبدو الأكثر سطوة ونفوذاً، يفرض شروطه أينما حلّ، وأحياناً كثيرة بفوقية ومن موقع قوة، وحضوره الطاغي على طاولات التفاوض جعلته، وهو بالنهاية مجرد وزير ورئيس حزب، يتعاطى بندية غير مسبوقة مع مرجعيات رئاسية على رأسها سعد الحريري. والأهم، أن "الباسيليين" يرون فيه مشروع زعيم ورئيس جمهورية، وقائد لجزء من شارع مسيحي يشعر اليوم بفائض قوةّ في مقابل شارع سني يشعر ب "فائض ضعف"!

أما رئيس الحكومة، فأزمته مزدوجة. داخلية من خلال فقدان السيطرة على "جيوب" داخل الطائفة متمرّدة على الامر الواقع وباتت تجاهرعلناً برفضها لنتائج التسوية الرئاسية، وتحاول فرض نفسها كشريكة له في خيارات ما "بعد التسوية التي ضربت في عمقها". وأزمة حكم، على مستوى الرئاسة الثالثة، يقول المدافعون عن الحريري أنها ليست موجودة إلا في أذهان مفبركيها، وهو الأمر الذي عاد وأكده رئيس الحكومة علناً. أما الصقور الدائرين في فلك "الحريرية السياسية" فلا يرون فيها سوى "الإنذار" الأخير لوريث الرئيس رفيق الحريري "إما المواجهة المباشرة,,, وإما الاستقالة"!
الاكثر قراءة
بعد اشكال المصيطبة: "الاشتراكي" يوضح 9 بعد رسالة الـ "واتساب"... جنبلاط يعتذر 5 بالفيديو والصور: إطلاق نار على واجهات مطاعم في الضاحية 1
معمل جنبلاط يتجاوز الرخصة... والحسن بالمرصاد 10 أول تغريدة لنجل خاشقجي منذ نيسان 6 وليام طوق يعتذر من باسيل 2
بالصور: دوافع إطلاق النار في الضاحية 11 باسيل يسحب القوات الى ملعبه! 7 ميشيل حجل في ذمة الله 3
الجميل: المشكلة ليست في باسيل إنما بمن وراءه 12 بالفيديو والصور: "جبل عميق" يرتدي حلة سوداء 8 وزير الدفاع يطلب إحالة قاضيين الى التفتيش 4
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر