Beirut
24°
|
Homepage
مشروع إغتيال القضاة... بالزواريب!
عبدالله قمح | الاربعاء 14 آب 2019

ليبانون ديبايت - عبدالله قمح

تستبطن جذور حلّ مسألة "قبرشمون - البساتين" أموراً فاقعة لا يقدر المرء على تجاهلها. دون أدنى شك، فإن الحل الذي أرسى مصالحةً في بعبدا برعاية الرئيس ميشال عون وحضور الرئيسين نبيه برّي وسعد الحريري، أسّسَ إلى سحب فتيل "الأزمة الدرزيّة" وتنفيس "محدود" للاحتقان، لكن ربّما لم يقطع دابر الفتنة بعد!

نقول "محدود" لأن البعض لم يسلّم بعد بأمر "طمر" الحفرة التي تُعد فاتحةً للمشكلة، ولا هو في وارد "تسكير" القبور والتجارب تُعلّم أن القبور يسهل فتحها، لكن هيهات كيف تُغلق!


ثمة مآخذ كثيرة على التسوية المبرمة. لا تتناول طبيعة الاتصالات التي جرت ولا الغاية من فكرة الصلح والاهداف المترتبة عنه، بل تطال جوهر القضية التي أزهقت أرواحاً ومنها روح مؤسّسة دستورية ذات قوس وميزان، في سبيل "مصالحة عشائرية" جمعت الأقطاب.

هناك من افتتح صالون عزاء بالتوازي من مصافحات المصارحة والمصارحة التي استهلت على مضض، ليس لشيء إلّا لتقبّل التعازي بفقدان هيبة السلطة القضائية. أصلاً مُصالحات من هذا النوع تحتاج إستشهادي، شخصاً يضحي بنفسه من أجل الغير! المشكلة أن القضاء الذي ضُحِىَ به لم يختار بملء ارادته التضحية بنفسه، بل ثمّة من جعله "خاروف" عيد وجرّه الى المذبح عنوةً!

مما لا شك فيه أن أي مُراقب للأحداث المتعاقبة منذ فترة يلاحظ أن ضربات موجعة قد وجّهت إلى السلطة القضائية مما جعلها تترنّح بشكلٍ كبير منذرةً حتى بسقوطها أو تلاشيها ضمن مُخطّط غير واضح المعالم لغاية اللحظة.

وأصلاً الموضوع قديم، أقدم من قبرشمون والبساتين وزيارة جبران باسيل إلى "مرقد العنزة". الإسفين الأول دُقّ عندما وقّعَ وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق "علم وخبر" لما يطلق عليه إسم "نادي القضاة" قبل بضعة ساعات من تركه للمنصب الوزاري تاركاً وراءه لُغماً من العيار الثقيل سيؤدّي مباشرة إلى استحداث مرجعية موازية للسلطة القضائية، أي سلطة مجلس القضاء الأعلى، وفي مرحلة ثانية إلى حالة من الفوضى سيما وأن عدد من القضاة قد باشروا بعقد اجتماعات بغية إنشاء جمعية قضائية جديدة.

وقد أعربَ البعض منهم عن خشيته بأن استمرار استئثار "نادي القضاة" بالمساحة الإعلامية بدون رقيب سيجعل للأخير وزناً كبيراً في التشكيلات المقبلة ودفع أعضائه إلى المراكز الحسّاسة المتقدمة على حساب زملائهم كما سيمكن هذا النادي من تنفيذ أجندات مخفية سيما وانه لا يخضع لأي رقابة أو مرجعية قانونية.

الضربة الثانية استهدفت الضمانات المالية والعينية العائدة للقضاة علماً أن عدد هؤلاء لا يتجاوز المئات وبالتالي لا اثر لأي تخفيضات مالية تطاول رواتبهم ومخصصاتهم على ميزانية الدولة، علماً أن موازنة وزارة العدل هي دون الـ ١٪؜ من الموازنة العامة والرقم ليس بحاجة إلى شرح أو تعليق.

الضربة الثالثة تمحورت في الحملة التي شنّتها قوى الأمن الداخلي على القضاء بعنوان "مكافحة الفساد"، والحملات الإعلامية التي رافقتها بما تضمّنته من مفردات جديدة على القاموس السياسي مثل "سمسار قضائي" وما شابه. الأمر الذي أدى إلى ضرب مصداقية القضاء أمام العامة من الناس، والذي دفع بعدد من السفارات إلى كتابة تقارير تفيد أن القضاء اللبناني غير ذي ثقة ولا يمكنه ضمانة استثمارات أجنبيّة.

يترافق هذا الكم من المشاكل مع عدم قدرة النيابة العامة التمييزية والتفتيش القضائي من الإستقلال من سطوة قوى الأمن الداخلي ورئاسة الحكومة عليها وصمت الصوت الشيعي المدوّي وضعف رئيس مجلس القضاء الأعلى الماروني.

وقد ترافقت هذه الضربات الموجعة وعلى رأس وزارة العدل قاضٍ إداري مُتقاعد غير ملم بالألعاب الأمنية والتعقيدات السياسية، الأمر الذي حوّله إلى مشاهد أو "كومبارس"، وكشف القضاء أكثر أمام تغلغل الأمن وسيطرته عليه جاعلاً منه مكسرَ عصا للسياسيين والأمنيين على حدٍ سواء.

وقد أعربَ عدد كبير من القضاة عن حالة "القرف" التي تعتريهم ورغبتهم بإيجاد فرص عمل جديدة لأن المسؤوليات المُلقاة على أكتافهم لم تعد متناسبة مع حالك الانكشاف الأمني والمالي.

سلسلة أسئلة تتراكم بعد هذه النتيجة. من يستفيد من ضرب القضاء اللبناني؟ وهل هنالك مخطط "لئيم" يرمي إلى ضرب أعمدة الدولة المركزية، أي ضرب الاقتصاد والليرة تحت عناوين مختلفة، محاصرة الجيش مالياً تمهيداً لوضعه داخل الثكنات وضرب مصداقية ومعنويات القضاء.

هذا المخطط إن صحَّ التحليل لا يمكن إلّا أن يكون أحد مؤشّرات الفوضى الزاحفة تحت مسميات مختلفة. وقد يكون عدد الـ"دايلي ستار" الأسود أحد تجلّيات المرحلة.
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر