Beirut
22°
|
Homepage
الحريري: Take It Or Leave It
عبدالله قمح | الثلاثاء 05 تشرين الثاني 2019

"ليبانون ديبايت" - عبدالله قمح

يتصرَّف رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، على أنّه الخيار السنيّ الأوحَد لرئاسةِ الحكومة من دون شريكٍ له، وبالتالي، على الجميعِ الاقتناعِ بهذه "الاحقيّة" ولو أجُبِرَ من أجل ذلك على استدعاءِ هديرِ "الموتوسيكلاتِ" أو إدخالِ "الإطارات" ودخانها المتناثر كطرفٍ في اللعبةِ أو افتعالِ أزمةٍ سياسيّةٍ مثل التي نعيش في ظلالها اليوم.

لا ندري من زرع برأسِ الرئيس المُستقيل هذه الفكرة التي جعلته يناطح السحاب ويظن أنّه الخيار الوحيد، من دون بديلٍ أو رجعةٍ عنه، هل هم شركاؤه؟ حلفاؤه الدوليّون؟ المقرَّبون منه؟ بعض "الثرثارين" سياسيًّا؟ من هم؟


ما هو ثابتٌ، أنّ الحريري يتصرَّف برئاسةِ مجلسِ الوزراء على أنّها ملكٌ حصريٌّ له بينما الاخرون، جميعهم على الاغلبِ، يعتبرون، أنّ هناك وجوهًا كثيرة تصلح لأن تكون على كرسي السرايا.

أكثر من مرجعٍ يتابع فصول وشجون الاتصالات السياسيّة، يؤكِّد، أنّ الحريري لم يعبر في أيٍّ من الأوقاتِ منطق تخلّيهِ عن رئاسةِ مجلس الوزراء، على العكس تمامًا، يبدو أنّه شديد الاهتمامِ والحساسيّةِ تجاه هذا الموقع.

وعلى سبيل الذكر، أنّ أحدَ الاطرافِ نقل إلى الحريري تطمينات حيال القبول بتكليفه بصفتهِ الأحقّ نظرًا لما يمثله في الشارعِ السني، لكن بشرط أن يجري الاتفاق على مجموعةٍ من البنودِ المُتَّصلة بالنشاطِ المستقبلي للحكومة، وفي حال الرفض، فإنّ التوجه يكون في الذهاب نحو خيارٍ بديلٍ مع عدمِ منحِ الحقِّ له بالمشاركةِ في تحديدِ هوية الرئيس المكلف الجديد أو منحه حق تسميته، وهو ما أثار الحريري.

ويُقال، أنّ "التفلّتَ" الذي حصلَ في الشارعِ ليل الأحد - الاثنين، أتى كردِّ فعلٍ طبيعيٍّ على ما نُقِلَ إليه، ما دفع ببعضِ المحيطين بالحريري، للايعاز بتحريكِ الشارعِ وإثارةِ النعراتِ وإرساء قاعدة "السرايا أو نحرق البلد"، وهو نوعٌ من انواعِ فرضِ الشروط أو تعزيزها في التفاوضِ.

هذا التوجّه، إختبر في مناسباتٍ عدّة، بُعَيْد تقديم الحريري استقالته من على منبرِ بيت الوسط (وهي سابقةٌ)، وخلال مسرحية "أحد الضغط" التي جرى استثمارها وتذكية نيرانها على نحوٍ واضحٍ من قبل جمهورِ "المستقبل" الذي هبَّ بأمرٍ مركزيٍّ لخوضِ لعبة "الحريري أو لا أحد" في توقيتٍ زمنيٍّ جرى اختياره بدقة، الا هو "وصول المفاوضاتِ الى نقاطٍ حساسةٍ". لذلك لا بدّ من الاستنجادِ بقدراتِ الشارعِ.

الجميع تقريبًا فهم الرسالة، حتى أنّ البعضَ اتضحَ لديه أنّ فريقَ رئيس مجلس الوزراء المستقيل، لا حدود لمغامراته الجاري تنفيذها في ظلِّ الحَراكِ وعلى ظهرهِ، وبالتالي، نصبح أمام حالة من إثنتَيْن، إما الفوضى التي يجد أغلب الافرقاء أن لا مصلحة لهم فيها، أو العودة بسعد الحريري الى السرايا الحكومية، لكن ضمن ظروفٍ مختلفةٍ.

وحقيقةٌ، أنّ الثنائي الشيعي وشريكه في قصر بعبدا، كانا يضعان هذا التصوّر منذ ما قبل "الهبّة الحريرية" في الشارعِ، أي أنّ خيار العودةِ بـ"سعد" ليس وليدَ مغامراتِ الشارعِ الطائشة أو بضغطٍ منه، بل بسبب اخذها واقعًا بالتوازنات السياسيّة المسيرة للبلد، وعدم وجودِ رغبةٍ لديهم في الدخول بمواجهةٍ داخلية - خارجية في ضوءِ وقوع الخيار على أحدٍ غير الحريري ذات نفسه.

وعلى هذا الاساس، كان الجميع تواقًا إلى افتتاحِ ورشةِ النقاشِ مع الرئيس الحريري، التي تولّاها أولاً المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب الوزير علي حسن خليل الذي نقلَ أوّلاً رغبة هذا الفريق بعودةِ "الشيخ سعد"، وثانيًا، اللواء عباس ابراهيم الذي يتولى حاليًا إيجاد المخرجِ المناسبِ للحلِّ مع الأخذ بعين الاعتبار أن يكون شاملًا.

لم يعد سرًا، أنّ اللواء ابراهيم يتواصل مع أركانٍ في "الحَراكِ". وبالتوازي، هو ينشط على أكثرِ من خطٍ، من بعبدا إلى الضاحية مرورًا بعين التينة وبيت الوسط. وعلى الأغلب وارتكازًا على مجموعة معلومات، يكون إبراهيم يخيط "تشكيلة حكومية وسطية مختلطة تشمل التكنوقراط والسياسية".

ويتردَّد، أنّ التشكيلة المُقترَحة، تدور بين مستوى 14 أو 24 وزيرًا، خالية من وزراءِ الدولة، تأخذ بتوازناتِ الشارعِ ومجلسِ النواب، ومقسَّمة مناصفةً بين سياسيين وتكنوقراط، وفق "تخريجة دولة الرئيس ايلي فرزلي"، وهي ذات تمثيل "منخفضٍ" للكتل السياسيّة المُنتَخَبة و"مدروسة" على صعيدِ الحَراكِ، الذي يدعم الرئيس نبيه بري تمثيله بـ 3 وزراء بالحدّ الادنى.

يبقى، أنّ النقاشَ الذي قد يدخل مدار البحث لاحقًا، يتوزَّع حول درجةِ مستوى التمثيل:"هل تقع ضمن مستوى الصفّ الاول، أي وزراء "سادة" من رؤساء الأحزاب أو "النافرين" في أحزابهم، أو يقع في المستوى الثاني بمعنى شخصيّات "مقبولة اجتماعيًا" ومن الشارعِ.

للحقيقةِ، أنّ ما نُقِلَ عن الرئيس الحريري تجاه باسيل حول رفض الأول عودة الأخير الى الحكومة خلق ندوبًا وصلت الى مستوى حصول طلاقٍ بينهما، فكان لا بدّ من عقدِ مثل هذا اللقاء لإجراءِ مكاشفةٍ صريحةٍ حول الموقف من القضايا المطروحة.

ويُقال، أنّ اللواء ابراهيم صاحب إنجاز تعبيد الطريق مجددًا للوزير باسيل بإتجاه بيت الوسط، حيث عقد لقاء وصِفَ بـ"المصارحة والمكاشفة" والغاية منه إزالة الجليد بين الرجلَيْن.

صحيحٌ، أنّ الحريري كان في جوِّ عدم القبول بعودةِ باسيل، لكنه يعلم، أنّ شرطًا من هذا القبيل تترتَّب عليه موجبات أخرى كشملِ "الفيتو" وزراء آخرين على وزنِ علي حسن خليل ومحمد شقير أو جمال الجراح ووائل ابو فاعور وأكرم شهيب وغيرهم، أيّ أنّ افتعالَ مثلِ هكذا نقاشٍ لا يخدم الحريري التوّاق للعودة مجددًا الى الحكومة وتأمين مصيرٍ مناسبٍ لـ"سيدر".

لكن المشكلة تدور، حول أنّ الحريري لن يعود ذاك الرئيس القابض على 111 صوت "نعم" في مجلسِ النواب، بل هو اليوم أمام اختبارٍ حقيقيٍّ لـ"تقليمِ الاظافر" على اعتبارِ أنّ عودته ستكون مقرونة بعددٍ قليلٍ من التسميات ومن "مانحي الثقة"، لذلك ينشط أكثر من طرفٍ خلف محاولةِ إقناعِ الكتل بتعويضِ الحريري أرقامًا تصلح لاعتمادها كمُحَفِّزٍ للعملِ في حال أمّنت التسمية.

صحيحٌ، أنّ في السياسة متغيّرات، لكن الثابت أنّ حزب الله سيعود هذه المرّة الى ملازمة الموقع السّابق نفسه الذي اختاره في تسميةِ رؤساءِ الحكومات، أي عدم منحِ الحريري شرف التسمية بالحدِّ الادنى، أما المقربون من الضاحية فيردون الاسباب الى تصرّفاتِ "الحريري الأخيرة".

وقياسًا على ذلك، لا بدّ للحريري من العودة إلى "شبكة الأمن" و"الواقعية السياسية" والتخلي عن نزعةِ "إلتهاب العصبِ التكنوقراطي" الذي تحرَّك عليه فجأة، فلا الحريري هو تكنوقراطي بصفته رئيس أكبر كتلة نيابيّة سنيّة ممثلة لتيّارٍ "سنيٍّ" عريضٍ، ولا باسيل "بروليتاريًا" كما صوَّر نفسه في مطلعِ الحشودِ الزاحفة نحو قصر بعبدا!

لكن طبعًا، ومن المُسَلَّم به، أنّ عودة الحريري لن تكون "شيكًا على بياضٍ" بل سيجري "تقريش" التطورات السياسية الاخيرة والبناء عليها في الخيارات.

في البدايةِ، فإنّ العودة لن تكون مفصولة عن تفاهمٍ سياسيٍّ، البعض يعتبره نسخة منقحة عن تسوية 2016، وآخرون يعتبرونه بمثابة تفاهمٍ جديدٍ يرمّم التسوية القديمة "السّاقطة". وفي الحالتَيْن، فإنّ الحكومة التي يجري بحثها، ستنطلق من ثوابتِ الشارعِ وخطوطه الحمر، وسيجري منذ الآن تحديد إطارها وبرنامج عملها وشكلها ومضمونها وتوجهاتها المستقبليّة، والاهم، أنّها ستكون برعاية الأطرافِ التي استفادت من جوِّ الحَراكِ المدني في الشارعِ.

وفق هذا الجوّ، سيُسَمَّى الحريري. وفي الميزان العددي، فإنّ ما سيغنمه من المشاورات الجارية اليوم سيقرشه غدًا أرقامًا في الاستشارات النيابية الملزمة، رغم أنّ أكثر المتفائلين لا يتوقعون له عبور حاجز السبعين "تسمية".

في الخلاصةِ، أنّ ما يجري الخوض فيه حاليًا هو تأمين الظروف المناسبة من خلال الاتصالات التي يُجريها المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، والتي ستُسفِر عن تحديدِ موعدِ الاستشارات النيابيّة المُلزِمَة، المتوقّع الدعوة اليها خلال ٤٨ ساعة المقبلة في حالِ استمرارِ الاجواءِ بشكلٍ ايجابيٍّ.
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر