5400 مصابين حالياً 2551 شفاء تام 94 وفيات 334 حالة جديدة 8045 إصابة مؤكدة فيروس كورونا في لبنان
Beirut
30°
|
Homepage
سياسة دفاع إقتصاديّة إنقاذاً لـ"لبنان"
لمياء مبيّض البساط | الاحد 19 كانون الثاني 2020

"ليبانون ديبايت" - لمياء مبيّض البساط، رئيسة معهد باسل فليحان المالي والإقتصادي

يقول المفكر الفرنسي أرنست رينان أن الجشع والإستئثار التي تقوم عليهما أساسات الديمقراطية لا تكوّن سوى مجتمع واهن وعاجز عن مقاومة جيرانه الأقوياء.

لقد حان الوقت لسياسة دفاع وطنيّة عن البلاد واقتصادها. فلبنان والمنطقة اليوم في مساحة زمنيّة أخرى، بعيدة كلّ البعد عن أحلام أوسلو بالسلام والرخاء والاندماج.


الكلّ يُدرك أن الصراع على أشدّه لتثبيت توازنات جيوسياسيّة جديدة مختلفة عن تلك التي سادت ما بعد الحرب العالميّة الثانية. ولطالما كان الفقرُ والإِفقار من أدوات الحروب والتحكّم بمصائر الشعوب المعدومة. نراها والحالة هذه تنتهجُ إمّا اليأس نظامَ حياة وإمّا الهجرة إلى حيث سُبل العيش الكريم مُتاحة.

لقد تغيّر العالم تغيّراً كليّا مع الثورة الصناعيّة الرابعة وتكنولوجيا الرقمنة. ومن يخوضُ الحروبَ اليوم يَعرفُ أنها لا تحتاج لأفرادٍ مدججين بالسلاح بقدر ما تحتاجُ إلى شبابٍ عالي الكفاءة، مُمَكّنٍ تكنولوجيّا، قادرٍ على التفاعل مع الأنماط الحديثة وعلى تطويعِها باستعمالِ قدرات ذاتيّة لا يُمكن اكتسابها إلا من خلال نُظم تعليم نوعيّة حديثة وتَعلّمٍ مستمرٍ مدى الحياة.

إنَّ الارتفاع المتوقع لمستوى خطّ الفقر نتيجة الأزمة الماليّة التي تَهزّ كيان لبنان إلى حوالي ٥٢% أمرٌ غير مسبوق منذ الحرب الحرب العالمية الأولى.

تشيرُ هذه النسبة المقلقة أنه لا يتعدى دخل الأفراد المدرجين في هذه الخانة الأربعة دولارات في اليوم ناهيكم عن انحلال المؤسسات التربويّة بسبب قلّة السيولة وزيادة معدلات التَسرّب المدرسي.

في هذا القِطاع بالذات، تُقدّرُ المصادر أنه في الأُسَر الأكثر فقراً فإنَّ 35٪ فقط من الذكور دون ١٨ عاماً لا يزالون على مقاعد الدراسة في مقابل 92٪ منهم في الأسر ذات الدخل الأعلى.

تدلُّ هذه المؤشرات على الجزء المخفي من جبل الجليد أي على توسُّعِ الهوَّةِ بين اللبنانيين، وعلى الإندِثارِ البطيء، في زمن الأزمة وما بعدها، لمخزون المعارف والمهارات الذي يكّون رأس المال البشري الذي يميّز لبنان.

كلّ هذا دون أن نذكر التقوقعَ الذي سوف تُدخلنا فيه الأزمةُ حكماً نتيجةَ تراجعِ قدرات الطبقات الوسطى على إتاحةِ فرصِ التعليمِ العالي لأولادها والتبادل الاكاديمي والمعرفي مع الخارج.

هذه العواقِب وغيرها تجعل من المستحيل إنتاج مقاومة متمايِزةً عمّا هو سائدٌ في دول المنطقة وإذا حدث وأُنتِجَت فسيكون الحِفاظ عليها بالغ الصعوبة.

لا بل أن الخطر، كلّ الخطر، يكمنُ في أن تفرزَ هذه العواقب عصاباتَ تَهريبٍ وتَهرُّبٍ واستغلال للنفوذ فتقوّي من شكيمةِ الأُسَر الحاكمة المستحكمةِ بمصائرِ من أُقفِلَت بوجههم سُبلَ الحياة، وتعرّضَ للهشاشة أولئك الملتزمين قيمَ الحقّ. وعندها تِصبح الانجازاتُ المحققةُ أمامَ خطرِ التفككِ البطيء بانتظارِ الهزيمةِ بالضربة القاضية .

لقد ساهمَ النظام الاقتصادي اللبناني المتفلّتُ من كافة أنواع الضوابط، وأوّلُها ضوابطُ النظامِ الليبرالي، في اختزال مقدَّرات البلاد بين أيدي قلّةٍ حاكِمة ومتحكِّمة. كما أضعفَ قدرات اللبنانيين الانتاجيّة وطاقاتهم في تصدير الإنتاج ذو القيمة المضافة.

هكذا أضحى الاقتصادُ رهينة قرارات دمّرت قدراته التنافسية ونوعيّة أدائه وقلَّصت حجمه بما لا يتناسب مع متطلبات الناس وساهمت في تمركز الثروة بين أيدي القلّة ورفعت مستويات الفساد إلى حدود غير مسبوقة.

فاقمت حال الاستئثار هذه من الاستنسابيّة في تأمين الوظائف بدل الدفع نحو اقتصادٍ تنافسيٍ قادرٍ على خلق الوظائف وعوّدت اللبنانيين على أنماطٍ من العيش والبحبوحة مبنيّة على الرَّخاء الوهمي للإستدانة بدل أن تُبنى على الرخاء الواقعي للإنتاج.

أفرزَ هذا الواقع منطقاً معوجّاً هو منطق المطالبِ المحقّةِ والمكتسبات بدل أن يفرزَ منطقاً قويماً هو منطقُ العمل والأداء والمحاسبة. كما ترسّخت القناعةُ بوجود ميزةٍ فريدة للحالة اللبنانيّة وبحتميَّةِ الاحتضانِ الدولي الدائم لها عند كلّ مفترق أزمة تنشلُها في لحظة الحسم.

لقد انتهت هذ المرحلة. ذهبت إلى غير رجعةٍ وباتَ الجميع يدرك أننا أمام واقع جيوسياسيٍّ واجتماعيٍّ جديد يفرض تغييرَ النمط الاقتصادي بالعمق.

لا يمكن لأي منظومة دفاعيّة حقيقيّة أن تستثني الاقتصاد وإدارة المال العام وعلاقتهما العميقة بإعادة صياغة العقد الاجتماعي الجديد المطلوب. لا يُمكنها أن تصُمّ آذانها عن وجع الناس وتخبُّطِهم ولا يُمكن لها أن تكون مُنكشفةً على احتمالات الفقر والجوع والاهتراء البطيء ولا على أفكار متقادمة وايديولوجيات عقيمة لا تتماشى مع العصر.

استراتيجية ذكيّة للمقاومة الاقتصاديّة المستدامة لا بدّ أن تقوم على منطق التنافس لا منطق الاستئثار، منطق الابتكار والقيمة التفاضليّة، منطق التقنيّة العاليّة والجودة، منطق حسن إدارة المال العام وهو أولاً وأخيراً مال المواطنين والمواطنات على قواعد الشفافيّة والكفاءة ومنطق الثقة بالمؤسسات، تلك الثقة المبنيّة على المحاسبة والمساءلة والحوار المجتمعي الدائم عند اتخاذ القرار.

لا عجب أن ينازعَ النظامُ الحالي ويقاومَ التغيير حتى الرمق الأخير. فعقود من التحكّم المطلق بالمقدرات من قِبل من تركزّت ثروات البلاد في أيديهم والعيش الرغيد على فتات مكتسبات وهميّة لطبقة متوسطة غشها الحلم، لا يمكن ان تندثر دون آلام كبيرة.

في قراءة صريحة لمتغيرات العصر واستشراف واعٍ لمتطلبات المرحلة، ندرك أن لا خيار أمامنا سوى التحوّل. فإن لم نحتضن أحلام الأجيال وحاجاتها للاسقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي على قواعد احترام قدراتها، وتَوقِها للحريّة والإبداع، لا يُمكن أن نبني مجتمعات ومؤسسات مقاوِمة وبيئة راغبة فيها وحاضنة لها.

صدَقَ غوستاف فلوبير حين قال منذ قرنٍ ونيِّف أنَّ الجوع يصنَعُ الثورات وأشياء كثيرَة أخرَى مَعها...... فهل يملكُ من بيدهم القرار الرغبةَ في إطلاقِ ثورة التحوّل قبل فوات الأوان؟
الاكثر قراءة
"كارثة بيروت"... هذا ما سيقوم به الـ "أف بي آي" 9 كندا تُعلنها: منح الإقامة الدائمة لهؤلاء... 5 سعرُ الدولار في السوق السوداء اليوم السبت 1
"خطاب حزب الله... تخضعون لشروطي وإلاّ..." 10 أمن الدولة يُوضح حقيقة سحب عناصر الحماية من حمادة 6 نصرالله: فرضيتان لـ إنفجار المرفأ... وكان هناك مشروع خطير 2
ضحيّتان جديدتان لـ إنفجار بيروت! 11 نِزاع على "فوج المغاوير" بين الجيش وروكز 7 باسيل مُقاطع! 3
أردوغان يُصدِر أمرًا بشأن السعودية 12 كيف أقفل سعر الدولار في السوق السوداء؟ 8 دميانوس قطار يساهم بإبقاء المتضررين بالشارع 4
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر