Beirut
16°
|
Homepage
نقاش جدي لا بدّ منه في قضية النازحين
عبدالله قمح | المصدر: ليبانون ديبايت | الاثنين 13 أيار 2024 - 7:10

"ليبانون ديبايت" - عبدالله قمح

في اليوميات اللبنانية الصاخبة، تحضر قضية النازحين السوريين على أرضه لتزيد من حدّة الإنقسام حول الآلية الأفضل لإيجاد حلٍ لهم. وبمعزل عن التفسيرات، يبقى النازحون من البنود القليلة التي يجتمع اللبنانيون حولها.

حول مسألة النازحين ومستقبل وجودهم في لبنان، يتمّ الركون إلى فرضية واحدة، تقوم على نظرية إعادتهم إلى وطنهم وتثبيتهم فيه وعدم السماح لهم بالبقاء هنا وذلك من خلال تفاهمات يمكن التوصل إليها مع الدولة السورية. وإن جنحنا نحو التطرّف أكثر، ثمة من يعبر عن فكرة بديلة قوامها "فتح البحر" أمام المهاجرين. وهذه الفرضية حيث أنها تأتي من أطراف مؤيدة للنظام في دمشق، قد يُفهم أنها توظّف غالباً في رؤية ذات علاقة بميول الدولة السورية الحقيقية القائمة على استغلال ورقة النازحين لأطول فترة ممكنة بهدف تحسين الشروط، وتوحي أن حلّ الملف مع سوريا كما يحلو للبنان أن يتصوّر، غير قائم طالما أن الأولى ما تزال تعتبر نفسها في خضم حرب تشن عليها وتنتقل من سبب إلى آخر.


في الغالب، تقوم النظرية اللبنانية في مسألة إعادة النازحين على مسألة "النقاش الأمني" مع سوريا بهدف التوصل إلى تفاهمات مشتركة. وثمة أفكار تطرح وأخرى طُرحت، من بينها مثلاً أن تتولى الدول الأوروبية مهمة "تمويلهم" فوق الأراضي السورية كبديل عن تمويلهم فوق الأراضي اللبنانية، بعد أن تقوم دمشق بتأمين مساكن لهم داخل سوريا، أو أن يتمّ مثلاً إعادتهم على شكل مجموعات إلى قرى نزحوا منها.

بيد أن الطرف اللبناني التواق إلى إيجاد حلٍ لمعضلة وجود ربما أكثر من مليوني نازح باتوا يشكلون ثلث سكانه، يتجاهل أن ترتيبات من هذا النوع تحتاج للدخول في رحلة شاقة. وإن سلمنا جدلاً بقبول الدولة في دمشق إيجاد حلول لهؤلاء، فماذا عن فصائل المعارضة المشتّتة التي ما تزال تسيطر على مناطق داخل سوريا، وستجد حتماً بين النازحين من يتحدّر منها ويريد العودة إليها. هؤلاء ما السبيل لإعادتهم، ومن هي الجهة المخولة الحديث بإسمهم، ومن هو الطرف السياسي داخل سوريا الذي لا بدّ للدولة اللبنانية من الحديث معه، سواء سياسياً أو أمنياً؟ والسؤال الأكبر، كيف يمكن قبول أن تقوم دولة ما مقام التفاوض مع فئة مصنّفة كميليشيات أو منشقة في دولة أخرى وغير مندرجة ضمن هيكلية الدولة وتقوم مقام الدولة في أماكن ما بشكل أحادي غير معترف به، لا من الدولة ذات الشأن وسلطتها ولا من جانب الدول، وأي إخراج يمكن للبنان أن يخوض فيه في حال حصل؟

ثمة أمر آخر لا يقلّ أهمية. وسط الحديث والانشغال بأولويات لبنان، من لديه الجرأة على الإستماع إلى الأولويات السورية التي تبدأ باستعادة السيطرة على المناطق التي ما تزال خارج سلطة الدولة ولا تنتهي بإعادة الإعمار والتعافي. جدول أعمال كهذا، لا بدّ أن يأتي على حساب أي عودة محتملة للنازحين، فيما أي قرار بإعادة النازحين ليس بسهولة فتح النقاش عبر الإعلام، أو من خلال لجان وتنسيق وزيارات واتفاقات وآليات وتمويل على الأراضي المصنّفة آمنة. ومن قال إن سوريا هذه تفتح أبوابها بمجرد طلبها من لبنان أو غيره مهما "علا كعب" الداعي، ومن دون مراعاة مصلحة سورية العليا، أو الحد الأدنى من سيادتها، بما في ذلك التدقيق في مصادر الأموال، وأين تُصرف ومن يصرفها أو يوزعها. وهل ستتم عبر الدولة أم من خلال جهات ومنظمات خارقة للسيادة وتضرب بمصالح الدولة كما يحدث في لبنان؟

من جهة أخرى تبقى معضلة الدولة السورية قائمة. وفي الحديث عن النازحين الآن يتمّ تغييب وجهة نظر واقعية لا بدّ من طرحها ولو بعد حين: ما هي نظرة الدولة السورية إلى مواطنيها النازحين حيث يرفض جزء كبير منهم (وهذا واقع وحقيقي وتبني عليه الجمعيات) العودة إلى كنف النظام؟

صحيح أن دمشق ومن خلال الرسائل الكثيرة التي تأتي إلى بيروت تعبر عن الرغبة في إيجاد حلٍ لمسألة النازحين على أراضي هذا البلد، لكن تبقى مسألة أساسية، أن الجانب السوري لديه بعض الشروط للحل، على رأسها البدء بمسار سياسي رسمي بين لبنان وسوريا، وأن تتمّ زيارات متبادلة بين الجانبين بما في ذلك الإتفاق على آلية. هذه الآلية تتضمن تصنيفات تتعلق بالنازحين (أعدادهم، أعمارهم، مناطقهم..) وربما ميولهم السياسية. وعلى هذا الأساس يتم تطبيق نظرية الإعادة. لكن يسبق هذا كله، مسألة تتعلق كما أسلفنا بمبدأ أساسي يتعلق برغبة هؤلاء في العودة من عدمها.

ليس سراً أن سوريا وإن ترفض التخلي عن مواطنيها كونها دولة قبل أي شيء آخر، تعي مسألة مهمة جداً. فالنازحون الذين تربوا ونشأنوا منذ أكثر من 10 سنوات في كنف غير كنفها، وتأثروا بمجتمعات وسياسات، ربما ليسوا من المؤيدين لها بالمعنى الوطني أو السياسي، أو قد تنظر سوريا، في البعد الأمني، إلى هؤلاء بصفتهم معارضين لها أو قد تكون لديهم ارتباطات يسهل توظيفها في حال عودتهم أو استغلال تلك العودة (أو إعادتهم إلى سوريا) في ترتيبات معينة أو في الحد الأدنى باستطاعتهم التماهي مستقبلاً مع أي خطاب معارض أو معادٍ للنظام فيسهل ضمّهم إليه. وطالما أن دمشق، باتفاق الجميع، دولة تأخذ بالبعد الأمني، إذاً هي مدركة لهذه النتيجة سلفاً، وقد تضعها في أولوية بالنسبة لصون أمن البلاد الداخلي أو كبح جماح أي تدخل على غرار ما جرى سابقاً.

أيضاً هناك مقياس آخر. فسوريا التي تعاني ما تعانيه من أزمات وحصار وعقوبات وقرارات، لن تكون تلك الدولة المتيمة في قضية إعادة النازحين (وهو مطلب بعض البلدان) من دون أثمان أو فوائد تجنيها على المدى البعيد. وفي غمرة الحصار وما يرتبه من تحديات قد تجد أوراقاً يصلح استخدامها أو توظيفها في مقارعة أو إزعاج من يحاربها، فيصبح على أقل تقدير ملف النازحين جزءاً من جبهة مشروعة من جانب النظام، الذي قد يجد فؤائد من الضغط على أوروبا سواء من خلال تغطية زحف المهاجرين إلى سواحلها، أو عدم القبول بأنصاف حلول العودة، مقابل زيادة الخطاب المؤيد لفكرة الهجرة، ما قد يستجرّ دولاً أوروبية إلى بدء الحديث مع النظام، تماماً كما بادر الرئيس القبرصي تجاه لبنان من زاوية المخاطر المحدقة ببلاده والناجمة عن "زحف المهاجرين".

أخيراً ثمة من يعتقد أن دمشق، ببعدها الأمني ومن خلال الدهاء الذي تمتلكه قيادتها، قد تكون على بيّنة من طبيعة وحضور أو نشاط عصابات التهريب، لكنها تتركها تعمل وتنشط وتزدهر متى كان تحصيل الفوائد، إحتمالاً قائماً في المستقبل.
تابعوا آخر أخبار "ليبانون ديبايت" عبر Google News، اضغط هنا
الاكثر قراءة
عون "الأميركي" 9 "الهجوم الأعنف"... إطلاق أكثر من 100 صاروخ من الجنوب! (فيديو) 5 صيدٌ ثمين لإسرائيل... حزب الله ينعى قائداً كبيراً! 1
بالفيديو: عمليات البحث ورفع الأنقاض مستمرة في جويا 10 "أقواها تبدأ غداً"... هوغربيتس يحذّر من تغييرات "غير مألوفة"! 6 شعور "الإختناق" سيرافقكم... استعدوا لموجة "حارة" استثنائية! 2
يسلبا المارة بقوة السلاح.... هل من وقع ضحيّتهما؟ 11 بعد وفاة أبو طالب... كلمةٌ لـ"حزب الله" اليوم! 7 فيديو يوثق عملية اغتيال "أبو طالب" 3
خطّة "جهنّمية" من ملياردير أسترالي لمساعدة غزة! 12 فرنجية يطوي صفحة الماضي من إهدن 8 عميدٌ يزفّ البشرى السارّة: الحرب دخلت في أيامها الأخيرة! 4
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر