قررت النيابة العامة التونسية المختصة في مكافحة الفساد، يوم 9 آب 2021، منع السفر لـ12 مسؤولاً، يشتبه في تورطهم في مخالفات قانونية، وشبهات فساد مالي وإداري في صفقة استخراج وشحن 600 ألف طن من الفوسفات بمنجم المكناسي بولاية سيدي بوزيد، وفق ما أفادت به منظمة "مرصد رقابة"، التي تولت إيداع ملف الشكوى منذ تموز 2020.
وذكرت المنظمة في بيان لها أنّ من أبرز المشمولين بهذا القرار سليم الفرياني (حزب تحيا تونس)، وهو وزير الصناعة في حكومة يوسف الشاهد، وعبداللطيف حمام، الرئيس المدير العام الأسبق لشركة فوسفات قفصة، والكاتب العام الأسبق لحكومة الشاهد، ولطفي علي (حزب تحيا تونس)، النائب في البرلمان ورجل أعمال في مجال المقاولات بمحافظة قفصة.
وقال عماد الدائمي، رئيس "مرصد رقابة" في تصريح لـ"عربي بوست"، إنّ "منظمته أودعت ملف هذه القضية للقضاء بعد أن ثبت لديها، من خلال أعمال تقصٍّ وجمع للوثائق والشهادات، وجود تواطؤ حكومي في إسناد الصفقة المذكورة لصاحب شركة مقاولات ينتمي إلى حزب رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد، ومن بين قياداته أيضاً وزير الصناعة سليم الفرياني".
ويشار إلى أنّ حزب تحيا تونس أسّسه رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد، إثر انقسام حزب نداء تونس الذي أنشأه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وهو حزب يعرف في تونس بأنّه وريث التجمّع الدستوري الديمقراطي الحاكم قبل ثورة 2011، وجمع في قياداته عناصر تاريخية لهذا الحزب مع شخصيات من تيارات أخرى، وبات يوصف بأنّه حزب "المنظومة القديمة"، أي ارتباطاً بنظام زين العابدين بن علي الذي قامت ضده الثورة.
وشدّد الدائمي على أنّ "مسؤولية حكومة الشاهد هي السكوت على التجاوزات داخل شركة فوسفات قفصة، وتوفير غطاء سياسي مكّن المستفيدين من الصفقة من مواصلة الانتفاع بصفقات خارج أحكام القانون، عبر ملاحق مضافة لطلب العروض لا تحترم الشكليات القانونية، وبموافقة استثنائية من وزير الصناعة رغم احتراز مراقب الدولة"، هذه الأخيرة التي تُعتبر هيئة حكومية مكلفة بمراقبة حسن تطبيق القوانين والتراتيب المنّظمة للتصرّف العمومي.
وقد اعترض مراقب الدولة على موافقة شركة فوسفات قفصة على إسناد صفقة استخراج فوسفات منجم المكناسي إلى شركة النائب لطفي علي، لما عاينه من اختلالات قانونية في العرض المقدم من الشركة.
تكشف الوثيقة التي حصل عليها موقع "عربي بوست" أنّ "الوزير السابق سليم الفرياني تجاهل قرار "مراقب الدولة"، وأصدر قراراً مؤرخاً في 22 كانون الثاني 2019، يقضي بالمصادقة على قرار شركة فوسفات قفصة بالترخيص لشركة النائب عن حزب تحيا تونس، لطفي علي، باستخراج وشحن ونقل 600 ألف طن من الفوسفات من منجم المكناسي.
ولم يعتمد الوزير الفرياني في قراره على تعليل قانوني، بل أورد عبارات جاء فيها وباعتبار أهمّية المشروع ودوره في دفع التنمية والتشغيل بمعتمدية المكناسي، أتشرف بموافاتكم بقرار المصادقة على الصفقة المذكورة.
ويؤكّد عمادي الدائمي لـ"عربي بوست" أنّ "العديد من الخروقات شابت الصفقة منذ الإعلان عنها، وهو ما دفع مراقب الدولة إلى اتخاذ القرار السليم بالاحتراز عليها".
ومن هذه الخروقات يذكر الدائمي أنّه "وقع تأجيل الأجل الأقصى لطلب العروض من أجل تمكين لطفي علي من دخول الصفقة، كما تمّ تغيير شروط الصفقة لتتناسب مع العرض الذي تقدم به رجل الأعمال المذكور، الذي لم يكن عرضه الأفضل والأقل ثمناً بين 6 شركات قدمت طلباتها لنيل الصفقة"، مشيراً إلى أنه "تم التلاعب بالصفقة والزيادة في الأثمان دون احترام الإجراءات، بصيغ خارج القانون"، وفق تعبير الدائمي.
وقد خلص "مرصد رقابة" إلى أنّه تم إسناد الصفقة للنائب لطفي علي نظراً إلى انتمائه للحزب الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة ووزير الصناعة، وذلك رغم اعتراض ممثل رئاسة الحكومة ومراقب الدولة، في كانون الأول 2017، على ما شاب الصفقة من تحيين وتلاعب.
ويضيف عماد الدائمي قرائن واضحة أخرى على التدخل الحزبي في هذه الصفقة تقوم دليلاً على شبهات تضارب المصالح، وتتعلق بأنّ عضواً بلجنة التقييم لطلب العروض، وهو مدير الشراءات بشركة فوسفات قفصة، هو صهر النائب لطفي علي.
كما أنّ المدير المركزي للتزوّد بشركة فوسفات قفصة، هو الذي أدار الحملة الانتخابية النيابية لسنة 2019 للطفي علي ضمن حزب تحيا تونس، والحملة الانتخابية الرئاسية بولاية قفصة ليوسف الشاهد، رئيس حزب تحيا تونس. ويضاف إلى ذلك أنّ رئيس المشروع المكلف بمتابعة تنفيذ المشروع ومراقبة الإنجاز هو المنسق الجهوي لحزب تحيا تونس في قفصة، كما أنّ مدير الشؤون القانونية المكلف بالرقابة القانونية على العقود والصفقات هو العضو المرتّب ثالثاً في قائمة لطفي علي الانتخابية سنة 2019 عن حزب تحيا تونس في قفصة.
تكتمل شبهات تضارب المصالح بصفة الحاصل على الصفقة نفسه لطفي علي، بصفته نائباً في البرلمان، وحصل على صفقة عمومية بما يخالف القانون.
وعلّق عماد الدائمي على هذه المجموعة التي التقت إدارياً للنظر في الصفقة، قائلاً: "هكذا يمكننا تصوّر نتيجة متابعة هذه التشكيلة من المسؤولين لإجراءات إعداد وإبرام ومراقبة تنفيذ الصفقة".
وينطبق على الشبهات المثارة في ملف هذه الصفة الفصل 96 من المجلة الجزائية الذي ينص على أنّه: "يعاقب بالسجن مدة عشرة أعوام، وبغرامة تساوي قيمة المنفعة المتحصل عليها أو المضرة الحاصلة للإدارة".
ويعتبر عماد الدائمي، رئيس مرصد رقابة، وهو نائب سابق بالبرلمان لدورتين، أنّ يوسف الشاهد، رئيس حزب تحيا تونس هو أخطر رجل مرّ بقصر الحكومة منذ استقلال تونس سنة 1956، وأنّه أرسى منظومة فساد بالاعتماد على مجموعة "الفتيان الذهبيّين"، بينهم وزير الصناعة السابق سليم الفرياني المطلوب في هذه القضية".
كما يرى الدائمي أنّ "منظومة الفساد عميقة وقديمة، وقد تأقلمت مع جميع الحكومات، وأحياناً تضحّي بعدد من الأشخاص"، وفق تعبيره.
ولا يستبعد الدائمي أن ترحّب منظومة الفساد بالمسار الذي يقوده الرئيس قيس سعيد، منذ إعلانه تجميد البرلمان، وإقالة رئيس الحكومة يوم 25 تموز الماضي، إذ ستتأقلم المنظومة مع قيس سعيد، ولن تتأخر مؤشرات ذلك، وفق الدائمي.
تــابــــع كــل الأخــبـــــار.
إشترك بقناتنا على واتساب
Follow: Lebanon Debate News