تشهد صناعة السيارات الألمانية، التي كانت لعقود القلب النابض لاقتصاد البلاد ورمزاً للجودة والهندسة المتفوقة، أزمة عميقة تهدد مكانتها العالمية. تقرير جديد لشركة المحاسبة EY نُشر عبر موقع "DW" كشف أرقاماً صادمة: 51,500 عامل فقدوا وظائفهم في قطاع السيارات خلال عام واحد فقط، أي ما نسبته 6.7% من مجمل اليد العاملة في هذا القطاع، وهو ما يعادل تقريباً نصف الـ114 ألف وظيفة صناعية التي تلاشت في ألمانيا خلال الفترة نفسها.
الأزمة ليست جديدة، فمنذ عام 2019، أي قبل جائحة كورونا، خسرت صناعة السيارات الألمانية نحو 112 ألف وظيفة، نصفها تقريباً خلال الأشهر الـ12 الأخيرة، ما يعكس تسارع الانهيار.
المؤشرات الاقتصادية تؤكد الصورة القاتمة: فقد تراجعت إيرادات الشركات الصناعية الألمانية بنسبة 2.1% في الربع الثاني من عام 2025، مقارنة بانخفاض 0.3% فقط في القطاع الصناعي العام. بينما حافظ قطاع الإلكترونيات على نمو نسبي، تراجعت إيرادات شركات السيارات بنسبة 1.6%.
الضربات الموجعة تأتي من أكبر سوقين لألمانيا:
من الشمال، الولايات المتحدة، حيث فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية جديدة بنسبة 15% على السيارات الألمانية، ما أدى إلى تراجع الصادرات بنسبة 10%.
من الجنوب، الصين، التي كانت حتى وقت قريب السوق الثاني الأكثر ربحية، تراجعت إلى المرتبة السادسة بانخفاض 14% في الطلب خلال الربع الأخير مقارنة بالعام السابق. ويرى الخبراء أنّ السوق الصيني أصبح أقل جاذبية للشركات الأجنبية مع تزايد الاعتماد على الإنتاج المحلي، خصوصاً في مجال السيارات الكهربائية منخفضة الكلفة.
وتزداد الأزمة تعقيداً بسبب حرب الرسوم الجمركية بين الاتحاد الأوروبي والصين، مع تدفق السيارات الكهربائية الصينية الرخيصة إلى الأسواق الأوروبية، ما يقلّص من قدرة الشركات الألمانية على المنافسة.
في مواجهة هذه التحديات، أطلقت الشركات العملاقة مثل مرسيدس-بنز، فولكسفاغن، أودي، بوش، كاونتننتال، ZF وبورش، خطط تقشف قاسية لتقليص التكاليف، بدأت أساساً من مصانعها في ألمانيا نفسها، حيث يجري تقليص وظائف الإدارة، البحث والتطوير.
لكن التداعيات لا تتوقف عند العمال المخضرمين، إذ يتوقع خبراء EY مستقبلاً أكثر قتامة للمهندسين الشباب. ففرص التوظيف في شركات السيارات ومجال هندسة الماكينات باتت تتقلص، ما يهدد جيلاً كاملاً من خريجي الجامعات الذين نشأوا على حلم العمل في "العملاق الصناعي الألماني".
ويرجّح التقرير أن موجة فقدان الوظائف ستستمر، باعتبار أنّ برامج إعادة الهيكلة وخطط تقليص النفقات ستقود إلى مزيد من عمليات الصرف. الأزمة، بحسب EY، ليست ظرفية بل تحوّل هيكلي في موازين القوى الاقتصادية العالمية، يطرح تساؤلات كبرى حول قدرة ألمانيا على التكيّف مع عالم جديد لم تعد فيه "أمة السيارات" بالهيمنة ذاتها التي تمتعت بها لعقود.