أثارت مجموعة من فيديوهات المراقبة التي أُفرج عنها مؤخرًا من مركز الاعتقال المتروبوليتان في نيويورك تساؤلات جديدة حول نظام كاميرات السجن الذي توفي فيه المجرم الجنسي جيفري إبستين، في تطور قد يعقّد الرواية الرسمية لوفاته بدل أن يوضحها.
وتأتي هذه الفيديوهات ضمن كمٍّ هائل من المواد التي نشرتها وزارة العدل الأميركية في 23 كانون الأول، تنفيذًا لقرار صادر عن الكونغرس بموجب "قانون شفافية ملفات إبستين". غير أنّ اللقطات الجديدة، بحسب تقارير إعلامية أميركية، لا تحسم الجدل القائم، بل تفتح الباب أمام تناقضات جديدة تتعلّق بما قيل سابقًا عن كاميرات المراقبة داخل السجن.
وكان إبستين قد عُثر عليه متوفّى في زنزانته عند نحو الساعة 6:30 صباحًا في 10 آب 2019، أثناء انتظاره المحاكمة بتهم فيدرالية تتعلق بالاتجار بالجنس، وقد خلص الطبيب الشرعي في نيويورك حينها إلى أنّ الوفاة ناتجة عن انتحار. وبعد ثلاثة أشهر، أعلن المدعي العام الأميركي السابق بيل بار أنّه اطّلع شخصيًا على تسجيلات المراقبة، مؤكدًا عدم دخول أي شخص إلى منطقة الزنزانة في الساعات التي سبقت الوفاة.
غير أنّ لقطات نشرها لاحقًا مكتب التحقيقات الفيدرالي، وتحليلًا أجرته شبكة "سي بي إس نيوز"، أظهرا أنّ التسجيلات لم تكن كافية لإثبات ذلك بشكل قاطع، كما كشفت عن تناقضات مع إفادات رسمية وشهادات سابقة، وسط امتناع وزارة العدل والـFBI عن التعليق.
وتبيّن، وفق تقرير صادر عام 2023 عن مكتب المفتش العام في وزارة العدل، أنّ 10 من أصل 11 كاميرا في وحدة الإسكان الخاصة (SHU) لم تكن تعمل بسبب أعطال في الأقراص الصلبة، بينما كانت الكاميرا الوحيدة العاملة مثبتة في طابق علوي ولم توفّر سوى رؤية جزئية لسلم لا يُظهر زنزانة إبستين بشكل واضح. كما أشار التقرير إلى وجود كاميرا إضافية عند مدخل ثانوي للوحدة، إلا أنّ تسجيلاتها لم تُنشر ولم تُظهر أي معلومات حاسمة.
وفي 24 كانون الأول، نشرت وزارة العدل أكثر من 400 مقطع فيديو مدة كل منها ساعة، تعود إلى فترات غير متسلسلة تبدأ من 5 تموز 2019، أي قبل أكثر من شهر من وفاة إبستين، رغم أنّ نظام المراقبة كان مضبوطًا للاحتفاظ بالتسجيلات لمدة 30 يومًا فقط. هذا الأمر أثار تساؤلات حول سبب الاحتفاظ بهذه اللقطات، وسط ترجيحات خبراء بأن وجود سعة تخزين إضافية قد حال دون حذفها.
الأكثر إثارة، بحسب "سي بي إس نيوز"، هو ظهور تسجيلات من كاميرا وُصفت سابقًا بأنها "غير مسجّلة"، توفّر رؤية واضحة لمدخل وحدة الإسكان الخاصة والسلالم المؤدية إلى طابق إبستين. وتحمل هذه اللقطات تواريخ بعد يومين من وفاته، رغم تأكيد مراسلات رسمية أنّ نظام التسجيل كان متوقفًا بين 29 تموز و14 آب، ما يطرح علامات استفهام حول الكاميرات التي كانت تعمل فعليًا وقت الحادثة.
ويرجّح خبراء الأدلة الجنائية الرقمية احتمال إعادة توصيل هذه الكاميرا بجهاز تسجيل آخر بعد وفاة إبستين، في تفسير وصفوه بـ"المعقول لكنه الغريب". كما أشاروا إلى أنّ هذه الكاميرا كانت لتشكّل فرصة ثمينة لسدّ فجوات أساسية في التحقيق.
وتتواصل الأسئلة أيضًا حول اختفاء تسجيلات تعود إلى 23 تموز 2019، عندما عُثر على إبستين فاقدًا للوعي داخل زنزانته قبل أسابيع من وفاته. وقد أفادت وزارة العدل سابقًا بعدم قدرتها على تحديد مكان تلك اللقطات، مرجّحة تعرّضها للتلف بسبب أعطال تقنية، في ظل التخلي عن محاولات استعادتها لطول مدتها وعدم ضمان نتائجها.
وإلى جانب وحدة الإسكان الخاصة، شمل الإفصاح تسجيلات من مناطق أخرى في السجن، بينها وحدات مخصصة لسجناء شديدي الخطورة، ومكاتب، ومصاعد، إضافة إلى مقطع قصير يظهر حراسًا في أحد طوابق الزنازين، من دون تحديد تاريخه، رغم الإقرار سابقًا بأن كاميرات هذا الطابق لم تكن تعمل وقت وفاة إبستين.
وتشير وثائق حصلت عليها شبكة "سي إن إن" إلى أنّ وزارة العدل تمتلك أكثر من 8 تيرابايت من تسجيلات 147 كاميرا تغطي فترة 24 ساعة قبل وبعد وفاة إبستين، إلا أنّ هذه اللقطات لم تُنشر، بحجة أنّ الكاميرات في وحدة الإسكان الخاصة لم تكن نشطة آنذاك.
ومع استمرار حجب تسجيلات يُحتمل أنّها وثّقت نقل جثة إبستين من زنزانته إلى سيارة الإسعاف، يبقى مصير المزيد من الفيديوهات غير واضح، وسط تحذيرات إعلامية من احتمال مخالفة وزارة العدل للقانون الذي يفرض الإفراج عن جميع المواد التحقيقية غير المصنفة المرتبطة بالقضية.