المحلية

نوال نصر

نوال نصر

ليبانون ديبايت
الأحد 04 كانون الثاني 2026 - 07:06 ليبانون ديبايت
نوال نصر

نوال نصر

ليبانون ديبايت

حرب… لا حرب… هل تنام الضاحية الجنوبية على حرير؟

حرب… لا حرب… هل تنام الضاحية الجنوبية على حرير؟

انتهى عام وانطلقت سنة. مهلة مرّت على خير ومهلة أخرى حُددت، ومهلة ثالثة ورابعة وعاشرة تحت المجهر. حدود متوترة، سماء ملبدة، وإنذار بحرب “داحس والغبراء” قد تحدث اليوم أو غدًا. أما التطمينات بأن لا حرب فلم تنجح في تسكين المخاوف وتهدئة الخواطر وإراحة النفوس. فلنأخذ نفسًا عميقًا: شهيق، زفير. ولنقم بجولة ميدانية في الضاحية وفق قاعدة: ضرورة اكتشاف الحقائق بالملاحظة لا بالكلام المتكرر كالببغاء. فلنذهب معًا في بدايات 2026 إلى هناك:

"ليبانون ديبايت" - نوال نصر


بين عاصفة وانقشاع سرنا. هنا مستديرة الطيونة. من معبر المستديرة نمرّ. شتول غُرست حديثًا. الحياة تسير. الناس، لوهلة، يبدون غير مبالين بالمهل بين حرب أو لا حرب. ملّ الناس. يافطة تدعو الناس إلى التذكر: وصيتنا الدائمة حفظ المقاومة. ندخل إلى منطقة الشياح. يافطة تتكرر على الطريق: انتقل المحل إلى الجهة المقابلة. الناس يبحثون بأنفسهم عن الحلول ومتابعة الحياة. لا وجوه “شباب سعداء” على الأعمدة. أُزيلت صور شهداء المقاومة على طول الطريق، ووحدها صور نبيه بري، دولة رئيس مجلس النواب رئيس حركة أمل والأخ الكبير، ترتفع، وإلى جانبها بعض صور مبعثرة لحامل الأمانة الشيخ نعيم. تبدلت الصورة كثيرًا بين قبل واليوم.


نتوجه نحو مجمع القائم. شقق كثيرة معروضة للبيع أو للإيجار. جمعية القرض الحسن أعادت تركيز آرمتها على فروعها المتقاربة على طول الطريق. محل جديد يُنهي ديكوره، معرّفًا عن نفسه بيافطة: “قبل ما تبلش الحرب بلشنا”. هو يعلن عن تكسير أسعار مع انطلاقته. “تبليشة” موفقة. لكن، ماذا لو عادت الغارات إلى الضاحية؟ يبتسم صاحب المحل مجيبًا برباطة جأش: “بدنا نعيش”.


سكان الضاحية “بدّن يعيشوا”. لكن، هل من يبالي؟ هؤلاء محسوبون على بيئة المقاومة. والمقاومة، بشخص شيخها نعيم قاسم، أنذر: “السلة أو الذلة، وهيهات منا الذلة، سنقاتل مهما ارتفعت الكلفة”. هناك من ابتسم لكلامه أيضًا مرددًا: “هذه مجرد أقوال لا أفعال”.


بين كثرة “الأقوال” والخشية من أفعال تُشرّد البشر في “عزّ الشتي”، وتنهي معالم، وتُهرق دماء، تسير الحياة “ضبابية” في ضاحية بيروت الجنوبية.


فلنبقَ هناك. صخب وزحمة ودراجات نارية تعبر “زيك زاك”، وكثير كثير من عربات الخضار، بعضها يعرّف عن نفسه بلا كلام، بصورة صغيرة للسيد حسن نصرالله، مغروسة في العربة. ولولاها لغاب حضور السيد حسن في الضاحية الجنوبية. اذهبوا إلى هناك تتأكدون. يا الله، كم تتبدل الأمور بسرعة بين يوم وآخر. في بيئة “الحزب” تكاد تندر صور السيد وأعلام حزب الله، وحلّت مكانها صور السيد موسى الصدر جنبًا إلى جنب مع صور نبيه بري وأعلام أمل. نعم، الأمور تتغير. أمور كثيرة تغيّرت تشي باختلاف شاسع بين ما نسمع وما نقرأ وما نرى.


نتابع مسارنا. يافطة ملفتة عند مدخل دكان: “سرحال لديكم لا خوف عليكم”. هو محل يبيع التنباك. يذكّرنا بمقولة “لا خوف عليكم مع وجود المقاومة”. مبانٍ مدمرة وأخرى رُممت ومبانٍ قيد الترميم. حركة البناء الكثيفة تشي بأن السلام آتٍ لا الحرب. وكأن كلمة سرّ سرت في الضاحية بأن لا خوف بعد الآن من حرب داحس والغبراء. فهل من بيدهم أمر البناء “تحت” يملكون كلمة سرّ ما؟


نتجه نحو حارة حريك. زحمة سير. وصوت العندليب عبد الحليم حافظ يخرج من إحدى المركبات يغني “قارئة الفنجان”: “جلست والخوف بعينيها تتأمل فنجاني المقلوب، قالت يا ولدي لا تحزن، فالحبّ عليك هو المكتوب، يا ولدي قد مات شهيدًا من مات فداءً للمحبوب”. هي رومانسية في الضاحية الجنوبية لبيروت تحلّ مكان نشيد حزب الله “نقتحم الموت فنرديه”. تقدم ملحوظ في بيئة محسوبة على “الحزب”.


رجال، في المقلب الثاني من العمر، يقفون وبيدهم صناديق تبرعات باسم الإمام زين العابدين. وصندوق تبرعات أمام فرن الوفاء ودعوة “التبرع للمقاومة واجب”. نسير في شارع الجاموس. نتجه نحو الحدث. الزفت مفلوش سميكًا على الطرقات. وزهور تشي بأن القادم لا بدّ أفضل. فهل نفهم من ذلك أن لا حرب مقبلة؟ هل معنى ذلك أن لا مبرر للقلق من حرب كبيرة ستجرف الأخضر واليابس؟


صبية مليئة بالأمل تجيب: “سمعت البارحة عبر الشاشات المنجمين. شي بيخوف. واحد قال إسرائيل ستضرب حتى جنب السفارة الأميركية إذا ارتأت ذلك، والحرب المقبلة حرب السلام. وأخرى تحدثت عن كوارث كثيرة لكنها قالت إن لبنان وُضع على سكة الأمان من دون حروب. وآخر – العدو أفيخاي – تنبأ بمفاجأة قادمة من حيث لا نتوقع. وبين ثلاثتهم ما همنا من هدير البحر”. وماذا عن كلام الشيخ نعيم قاسم؟ تجيب: “مشكلتنا أننا نسمع كثير كثير من الأقوال والعنتريات”. يتدخل سامع معلقًا: “نتنياهو ميّت رعبة”. تضحك الصبية وتمشي.


نسير في اتجاه ثانوية المهدي في الحدث. الناس منهمكة بشؤونها. وبائع قهوة يستقبل الزبائن بعبارة: ما تفسده الحياة تُصلحه القهوة. يافطة تهنئ في العيد تحت جسر المشرفية: نبارك لكم ولادة النبي عيسى. عبارة مستفزة للمسيحيين، فالاسم يسوع لا عيسى. لكن الشيخ نعيم قال عيسى، ويافطات عُلّقت باسم عيسى وتعليقات كثيرة في شأن الاسمين. نقرأ ونتابع مسارنا.


محال كثيرة انتقلت إلى محال مجاورة بانتظار الترميم. ومعلومة عن ملف أُرسل من اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية باسم شركة وهمية إلى إحدى الوزارات للحصول على مئة مليون دولار للترميم. أُعيد الملف إلى الاتحاد لأنه غير مستوفي الشروط.


في كل حال، موضوعنا: حرب أو لا حرب؟ نخاف أو نرتاح؟ نقلق أم نسترخي ونرتاح؟ أصوات طائرات الاستطلاع لا تتوقف. ورسائل تصل عن غارات في الجنوب وتحليق مكثف فوق الضاحية الجنوبية وعن إحراق صور الخامنئي في إيران. أخبار تتتالى، أما على الأرض فالناس في همّ آخر. يتأبط بعضهم ربطات خبز. هموم الناس أهم من كل ما يحدث. عبارة أخرى على “فان” تجذب نظرنا: لا نملك أصدقاء حقيقيين، مجرد معارف. الناس فقدوا الأمان حتى في معارفهم.


نعبر جنب ميدان شهداء المقاومة. لا أعلام صفر، فقط بائع ثمار البحر يفتح 24/7. نتذكر مقولة: هناك فارق ما بين صيد الأسماك والانتظار على الشاطئ كالحمقى. “فنحن ننتظر. الشيخ نعيم قاسم يتحدث كثيرًا لكن المبادرة ليست عنده ولا معه” يعلّق أحدهم.


الزحمة كبيرة حتى في الأعياد. ناس الضاحية الجنوبية يتجنبون الصعود إلى بلداتهم في الجنوب. ثقل الأحداث الأخيرة سرق منهم الطمأنينة في عالم متغير. والأنظار اليوم اتجهت نحو إيران في ظل الكلام عن إعادة “الحزب” بناء صفوفه. فماذا ينتظرهم بعد؟


نبأ وصل للتو: ترامب أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل للهجوم على حزب الله. هناك من يرى في هكذا خبر تهويلًا. الناس تحاول استبعاد عودة الحرب. الناس لا تريد عودة الحرب. ولعلّ العبارة المطمئنة الوحيدة في الضاحية الجنوبية اليوم: ويبقى الأمل بعام أفضل.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة