"ليبانون ديبايت"
أعاد تصريح وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، القائل إن “الجيش اللبناني قادر على مواجهة حزب الله عسكريًا إذا اقتضت الضرورة”، فتح واحد من أخطر الملفات اللبنانية، واضعًا المؤسسة العسكرية مجددًا في قلب الاشتباك السياسي، ومثيرًا تساؤلات عميقة حول التوقيت والغاية والسقف الذي يراد بلوغه من هذا الخطاب العالي النبرة.
الكلام لم يأتِ في فراغ، بل في لحظة إقليمية وداخلية شديدة التعقيد: تصعيد إسرائيلي متواصل جنوبًا، ضغوط أميركية وأوروبية على الدولة اللبنانية، نقاش مفتوح حول سلاح حزب الله، ومحاولات دولية لإعادة رسم قواعد الاشتباك بعد حرب مدمّرة لم تخرج البلاد أصلًا من تداعياتها.
في هذا السياق، بدا تصريح رجي أقرب إلى تحريض سياسي مباشر على زجّ الجيش اللبناني في مواجهة داخلية، بدل أن يكون توصيفًا واقعيًا لدور المؤسسة العسكرية أو قراءة متزنة لموازين القوى. فالجيش، الذي يُجمع اللبنانيون على كونه صمام الأمان الأخير، يُفترض أن يُحمى من الاستدراج إلى صدام داخلي، لا أن يُستخدم كورقة ضغط في بازار الرسائل السياسية، داخليًا وخارجيًا.
الأخطر في هذا النوع من الخطاب، أنه يتقاطع موضوعيًا مع السردية الإسرائيلية التي تشكّك بقدرة الدولة اللبنانية على ضبط الوضع الأمني، وتدفع باتجاه تصوير الصراع في لبنان كصراع داخلي، لا كنتيجة اعتداءات خارجية مستمرة. وهو ما يضعف الموقف اللبناني الرسمي، بدل أن يعزّزه، في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى أعلى درجات التماسك السياسي والمؤسساتي.
كما أن توقيت التصريح يثير علامات استفهام إضافية، في ظل حديث متزايد عن سيناريوهات إقليمية كبرى، واحتمالات توسيع رقعة المواجهة في المنطقة. ففي مثل هذه الظروف، يُفترض أن ينصبّ الجهد السياسي على تحييد الداخل اللبناني، لا على ضخّ مواقف قد تُفسَّر كإشارات استعداد لصدام داخلي، أو كمحاولة لتدويل الأزمة من بوابة المؤسسة العسكرية.
لا يعني ذلك تبرير الواقع القائم أو تجاهل الإشكاليات المرتبطة بسلاح حزب الله، لكن معالجة هذه الملفات، إذا كانت جدّية، لا تكون عبر تصريحات استفزازية أو عبر تحميل الجيش أدوارًا تتجاوز وظيفته الوطنية، بل من خلال مسار سياسي شامل، توافقي، وتدريجي، يحفظ الاستقرار ويمنع الانزلاق إلى المجهول.
في المحصلة، يعكس تصريح رجي انتقالًا من الخطاب الديبلوماسي إلى خطاب المواجهة، ومن منطق إدارة الأزمة إلى منطق كسرها. وهو تحوّل خطير في بلدٍ خبرَ جيدًا كلفة الانقسامات، ويعرف أن أي رهان على صدام داخلي لن يكون فيه منتصر، بل خسارة وطنية شاملة.
جاء كلام رجي في حديث له إلى "مؤسسة واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، حيث أوضح أن التطبيع يُعد من "المحرّمات" في لبنان، وأن الدعوات إلى مناقشة السلام أو التعاون الاقتصادي مع إسرائيل تبقى هامشية، حتى وإن جرى الترويج لها من قبل مسؤولين إسرائيليين.
وفي موقف لافت، قال رجّي إن حزب الله "يكذب أو لا يعرف القراءة"، معتبراً أنه يلجأ اليوم إلى التهديد بحرب أهلية في حال واصلت الجيش اللبناني تنفيذ مهمته شمال نهر الليطاني، بالتوازي مع تهديدات مماثلة يطلقها مسؤولون إيرانيون. واعتبر أن هذه التحذيرات تمثل "ابتزازًا مكشوفًا" للحكومة اللبنانية، ورأى أن الحزب يحاول كسب الوقت لإعادة تنظيم صفوفه ومواصلة فرض هيمنته.
وفي المقابل، شدّد وزير الخارجية على أن الجيش اللبناني قادر على مواجهة حزب الله عسكريًا إذا اقتضت الضرورة، مؤكداً أن قرار حصر السلاح بيد الدولة ماضٍ وفق تكليف الحكومة.
وعلى صعيد العلاقات الثنائية، أكد رجّي أن العلاقات مع دمشق تشهد أفضل مراحلها، مشيراً إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع هو "أول زعيم في التاريخ الحديث" يعترف صراحة باستقلال لبنان وسيادته. وأوضح أن البلدين يعملان على معالجة ملفات شائكة تشمل اللاجئين السوريين، السجناء السوريين في لبنان، اللبنانيين المفقودين أو المخفيين قسرًا في سوريا، إضافة إلى ترسيم الحدود الرسمية. أما ملف مزارع شبعا، فاعتبره "معقدًا" ولم يُحسم بعد ما إذا كانت سورية أم لبنانية.