مع تصاعد موجات الاحتجاجات التي اختبرت قدرة النظام الإيراني على احتواء المعارضة، خيّم الصمت على إسرائيل، رغم كونها الطرف الذي يُنظر إليه على أنه الأكثر استفادة من إضعاف خصمها الإقليمي. فبعد أشهر من التهديدات العلنية لإيران، التزمت تل أبيب الحذر، مترقبة تطورات الشارع، ومفسحة المجال أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاتخاذ قراره بشأن التدخل.
وبحسب مصدر مطّلع، أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال الأيام الماضية عدة مشاورات أمنية حول تطورات الوضع في إيران. إلا أن نتنياهو، الذي كان قد شنّ هجومًا مفاجئًا على إيران الصيف الماضي، أصدر تعليماته لوزرائه بتجنب الإدلاء بتصريحات علنية حول ما يجري هناك.
وفي الأيام الأولى للاحتجاجات، نشرت وزيرة العلوم جيلا غامليئيل صورة لها على منصة "إكس" وهي ترتدي قبعة كُتب عليها "لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى"، في إشارة إلى رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، مرفقة برسالة مصوّرة دعمت فيها المتظاهرين. غير أن مصدرًا أفاد بأن مكتب رئيس الوزراء نصح الوزراء بالالتزام بالصمت مرتين على الأقل منذ ذلك الحين.
وخلال الاجتماع الحكومي الأسبوعي الأحد، اكتفى نتنياهو بالقول إن إسرائيل "تراقب عن كثب" ما يجري في إيران، مؤكّدًا دعمها "نضال المتظاهرين من أجل الحرية"، من دون توجيه أي تهديد إلى طهران أو إلى المرشد الإيراني علي خامنئي.
وقال مسؤول إسرائيلي لشبكة CNN إن "التعليمات العامة هي التزام الصمت"، موضحًا أن التفاهم القائم يقضي بأنه "في حال كان هناك تدخل، فلن يكون إلا تدخلاً فعليًا".
وكانت الاحتجاجات قد اندلعت قبل أسبوعين على خلفية التضخم المتفاقم، قبل أن تتحول سريعًا إلى مظاهرات واسعة النطاق ضد النظام الإيراني، امتدت إلى أكثر من 180 مدينة وبلدة في أنحاء البلاد. وفي المقابل، حاولت الحكومة الإيرانية صرف الأنظار عن الأسباب الداخلية للاحتجاجات، متهمة الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف تأجيج الاضطرابات.
ويرى مراقبون أن أي تدخل إسرائيلي في هذه المرحلة قد يمنح طهران فرصة لتحويل الأنظار عن أزماتها الداخلية وتوجيهها نحو خصم خارجي. وفي هذا الإطار، قال مسؤول أمني إسرائيلي رفيع سابق لشبكة CNN إن "هذا ليس الوقت المناسب للتدخل"، محذرًا من أن أي خطوة من هذا النوع قد تعرقل حالة الضعف الداخلي للنظام الإيراني أو تمنحه ذريعة لحشد الدعم الشعبي.
وعلى الرغم من الصمت السياسي العلني، هيمنت تطورات الاحتجاجات في إيران على التغطية الإعلامية الإسرائيلية خلال الأسبوعين الماضيين، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من تصعيد محتمل، ولا سيما في ضوء ذكريات الهجمات الصاروخية الباليستية الإيرانية خلال حرب الأيام الاثني عشر في حزيران الماضي.
وفي هذا السياق، أبلغت بلديات في وسط إسرائيل المواطنين بأن مراكز الإيواء ستبقى مفتوحة كإجراء احترازي، في حين سعى الجيش الإسرائيلي إلى التقليل من شأن المخاوف من هجوم وشيك. وكتب المتحدث باسم الجيش، العميد إيفي دفرين، عبر "إكس" أن "شائعات كثيرة انتشرت في الأيام الأخيرة بسبب الوضع في إيران"، مؤكدًا أن الاحتجاجات هناك "شأن داخلي"، وأن الجيش يواصل تقييم الوضع وسيصدر تحديثات في حال حدوث أي تغييرات.
من جهتها، علّقت رئيسة بلدية رامات غان، إحدى مدن وسط إسرائيل، على حالة القلق السائدة، قائلة إن التطورات الحالية "تعتمد بشكل أقل على إسرائيل وأكثر على ما يحدث في إيران أو في ذهن الرئيس ترامب"، مضيفة: "حظًا سعيدًا للشعب الإيراني. نجاحهم في نيل الحرية هو نجاح لنا أيضًا".
في المقابل، أدت الاحتجاجات إلى تعقيد بعض الخطط العسكرية الإسرائيلية، إذ ازداد قلق حكومة نتنياهو حيال النشاط الصاروخي الباليستي الإيراني، وما تعتبره إعادة تسليح طهران لحزب الله في لبنان. وأفادت مصادر إسرائيلية بأن العمليات التي كانت قيد البحث لمواجهة هذه الأنشطة تخضع حاليًا للمراجعة، فيما أشار أحد المسؤولين إلى أن إسرائيل تنظر إلى الوضع من زاوية "دفاعية واستجابية".
بدورها، قالت سيما شاين، الباحثة الرئيسية في معهد دراسات الأمن القومي والرئيسة السابقة لقسم الأبحاث في جهاز "الموساد"، إن الاحتجاجات جمّدت فعليًا أي خطط إسرائيلية لشن هجوم جديد على إيران. واعتبرت أن إعلان الولايات المتحدة دعمها للاحتجاجات جعل من الطبيعي أن تفضّل إسرائيل أن تتولى واشنطن زمام المبادرة، في ظل تقييم ترامب للخيارات المطروحة وخطوته التالية.
لكن شاين لفتت إلى أن المعادلة قد تتغير في حال قرر ترامب تنفيذ عمل عسكري ضد إيران، لا سيما إذا ردّت طهران على أي تحرك أميركي باستهداف إسرائيل، كما لوّحت بذلك سابقًا.