فالقرار الاتهامي الصادر عن الهيئة الاتهامية في بيروت أكد، بصورة واضحة لا تحتمل التأويل، أن الأموال الموجودة في “حساب الاستشارات” ليست أموالًا عامة ولا أموال خزينة، بل أموال خاصة تعود إلى مصارف ومؤسسات مالية أودعتها ضمن حساب مستقل داخل مصرف لبنان، لكل جهة بحسب حصتها. وبذلك، يصبح أصل المال موضوع الملف خارج إطار “مال الدولة”، وهو ما يضرب في العمق حملة استمرت نحو 6 سنوات قامت على تصوير سلامة وكأنه ناهب لأموال المودعين.
وهنا تكمن الضربة السياسية والإعلامية الأقسى: طالما أن المال “خاص” بتسليم المحكمة، فإن الرواية التي بُنيت عليها حملة ممنهجة ضد سلامة، تحت عنوان “أموال المودعين”، تكون قد تلقت ضربة قاضية. فالمحكمة نفسها اعترفت بأن الأموال ليست مالًا عامًا، وبالتالي تصبح “معزوفة أموال المودعين” أقرب إلى سلاح اغتيال معنوي استُخدم لتصفية حسابات سياسية، لا توصيفًا قانونيًا دقيقًا كما تم فرضه على الرأي العام.
وبحسب القرار الاتهامي، تُنسب إلى سلامة وقائع مفادها أنه استخدم صلاحياته لتحويل نحو 44.8 مليون دولار من حساب الاستشارات إلى حسابات خاصة بالمحامي ميشال جون تويني في مصارف لبنانية، قبل أن تعود لاحقًا إلى حسابات سلامة عبر شيكات مصرفية باسم مروان جو عيسى الخوري. وترى الهيئة أن المسار يتضمن شبهات اختلاس وتزوير معنوي واستعمال المزوّر وإثراء غير مشروع، معتبرة أن التحويلات قُدمت للمجلس المركزي على أنها مرتبطة بتسديد عمولات عن عمليات مع القطاع الخاص.
لكن جوهر المفارقة يبدأ بعد هذه الفقرة مباشرة. فالقرار الاتهامي نفسه، وفي متن عباراته، يسلّم بحرفية شديدة بأن “حساب الاستشارات” أنشئ استنادًا إلى القانون رقم 134 الذي عدّل قانون النقد والتسليف، وبأنه حساب يحمل رقمًا مستقلًا عن حسابات مصرف لبنان وله هوية مصرفية مستقلة، وأن مالكي رصيده هم المصارف والمؤسسات المالية التي أودعت الأموال، وأن الأموال المودعة فيه هي بالتالي أموال خاصة وليست أموالًا عامة.
هذا الإقرار القضائي ليس تفصيلًا، بل نقطة تغيّر جذريًا طبيعة الاتهام. فعندما تكون الأموال “خاصة”، تصبح تهمة “اختلاس المال العام” غير قابلة للبناء بالشكل الذي تم تسويقه، ويصبح السؤال المنطقي: من هو المتضرر الفعلي؟ وهل هناك جهة ادعت بالضرر أصلًا؟
والأكثر حساسية أن القرار لم يتجاهل صلاحيات حاكم مصرف لبنان، بل أكد أن وضع يد سلامة على هذه الأموال هو “يد عارضة بحكم مركزه الوظيفي” كحاكم للمصرف المركزي، وبفعل السلطة الفعلية التي يتيحها له هذا الموقع لإدارة الحساب وفق الصلاحيات المعطاة له سندًا لقانون النقد والتسليف، خصوصًا المادة 26. أي أن المحكمة نفسها تقول إن التعامل مع الحساب يدخل ضمن نطاق السلطة الوظيفية التي يملكها الحاكم، ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول مدى إمكان تحويل هذه الصلاحيات إلى “جناية” بالشكل الذي جرى فرضه.
لكن رغم هذا التسليم بأن المال خاص وبأن الحاكم يتحرك ضمن صلاحياته، بدا القرار وكأنه احتاج إلى “مخرج” لتشديد التوصيف، فدخل من باب “التزوير المعنوي” عبر القول إن التحويلات عرضت على المجلس المركزي بصورة توحي بأنها مخصصة لتسديد عمولات.
وهنا تبرز نقطة شديدة الحساسية: إذا كان المجلس المركزي هو أعلى سلطة إدارية داخل مصرف لبنان، وإذا كان “حساب الاستشارات” قد عُرض عليه، فكيف يمكن الادعاء بوجود “تزوير معنوي” من دون الاستماع إلى أعضاء المجلس المركزي أنفسهم؟ وكيف يمكن الجزم بأن المجلس قد “خُدع” أو أن الوقائع “زُوّرت” من دون سؤالهم عمّا عُرض عليهم، وكيف ناقشوا الملف، ولماذا وافقوا عليه؟ والأكثر إثارة للريبة أن القضاء رفض، في جميع مراحل هذا المسار، طلبات فريق الدفاع المتكررة بالاستماع إلى أعضاء المجلس المركزي، ما يطرح علامة استفهام أساسية حول كيفية بناء استنتاج بهذه الخطورة من دون الاستماع إلى أصحاب القرار أنفسهم.
والجدير ذكره أن الأموال الموضوعة في حساب الاستشارات لصالح عملاء كانت قد أفضت، وفق المعطيات المتداولة، إلى تحقيق مصرف لبنان أرباحًا تفوق الـ4 مليارات دولار، وهو معطى جوهري لا يمكن المرور عليه وكأنه غير موجود، لأنه يفرض سؤالًا مباشرًا: لماذا تم التغاضي عن هذه الحقيقة في قراءة الملف، وكأنها لا تمتّ بصلة إلى طبيعة الحساب، ووظيفته، والسياق الذي أُدير ضمنه؟
القرار، في المقابل، أعطى انطباعًا خطيرًا بأنه يحمّل المسؤولية لشخص واحد ويُخرج المجلس المركزي من المشهد، وكأن أعضاءه “الزوجة المخدوعة” التي مرّت أمامها القرارات من دون أن تعلم، رغم أنهم شركاء أساسيون في القرارات النقدية والمالية ويُفترض أنهم مسؤولون عن الرقابة والموافقة. وهذه مقاربة تهدد بتحويل أكبر قضية مالية في تاريخ لبنان إلى نموذج جديد من “كبش الفداء”، بدل فتح المحاسبة على مستوى المنظومة.
ويضاف إلى ذلك أمر لا يقل أهمية: غياب أي شكاوى من المصارف والمؤسسات المالية التي تُعتبر وفق القرار ذاته “مالكة” لهذه الأموال. فلو كانت هذه الجهات قد تعرّضت فعلًا لاختلاس أو إساءة أمانة، لكانت بادرت إلى تقديم شكاوى أو المطالبة بحقوقها. أما غياب هذه الشكاوى، فيطرح سؤالًا طبيعيًا: هل هناك طرف يعتبر نفسه ضحية فعلًا، أم أن الملف جرى تضخيمه سياسيًا وإعلاميًا؟
ومن زاوية أخرى، فإن هذا القرار، بتسليمه أن الأموال خاصة وعدم تثبيته رابطًا واضحًا بين سلامة وبين اختلاس مال عام بالمفهوم التقليدي، يقفل عمليًا الباب أمام تصعيد الملاحقات الخارجية بالصيغة التي جرى تسويقها طوال السنوات الماضية. فالملفات القضائية الدولية لا تقوم على خطابات سياسية، بل على توصيفات دقيقة: مال عام، جهة متضررة، دليل ملكية، رابط بين المتهم وبين المال العام. وعندما يسقط عنوان “المال العام” أو يهتز توصيفه، تصبح الرواية في الخارج أضعف.
وفي هذا الإطار، صدر بيان رسمي عن مصرف لبنان بتاريخ 14 كانون الثاني 2026 تحدث عن جلسات عقدها الحاكم كريم سعيّد مع قاضية التحقيق الفرنسية في باريس، وعن “معلومات جديدة” و”أموال منهوبة” و”توسيع التحقيقات”. لكن السؤال يبقى: كيف يُقدَّم هذا المسار كعرض سياسي وإعلامي، بينما القرار الاتهامي اللبناني نفسه يوثق أن الأموال موضوع الملف هي أموال خاصة؟ وهل المطلوب اليوم إعادة تدوير الملف عبر “عراضات” جديدة، أم الالتزام بما قاله القضاء حرفيًا؟
في الخلاصة، ليست القضية مجرد تحويلات وشيكات. إنها معركة على تعريف المال وعلى تحديد المسؤوليات. فالقرار سلّم بأن المال خاص، ثم شدّ الاتهام عبر “التزوير المعنوي” لتثبيت الجناية، وفي المقابل أخرج المجلس المركزي عمليًا من دائرة المحاسبة، رغم أنه شريك أصيل في كل القرارات. وهنا يصبح الملف اختبارًا حقيقيًا: هل نصل إلى حقيقة كاملة تشمل المنظومة، أم يستمر لبنان في إنتاج رواية “كبش الفداء” وإقفال المسارات عند اسم واحد؟