نشر موقع "معاريف" الإسرائيلي مقالاً تحليلياً للكاتب دان شاؤون تناول فيه ما وصفه بـ"المفارقة المركزية" التي كشفتها حرب "السيوف الحديدية" والمواجهة التي امتدت 12 يوماً مع إيران، معتبراً أن النجاح العسكري الإسرائيلي في إضعاف "محور المقاومة" قد يؤدي، بصورة معاكسة، إلى إضعاف المكانة الاستراتيجية لإسرائيل على المستويين الإقليمي والدولي.
ورأى الكاتب أن إضعاف إيران أفسح المجال أمام صعود تركيا كقوة إقليمية أكثر حضوراً وتأثيراً، مشيراً إلى أن أنقرة، خلافاً لإيران التي تعرّضت لضربات وأُنهكت سياسياً وعسكرياً، تُعد خصماً أيديولوجياً وجيوسياسياً لإسرائيل، لكنها تتمتع في الوقت نفسه بشرعية غربية وبحضور سياسي مدعوم أميركياً، ما يجعلها منافساً أكثر تعقيداً وخطورة على المدى الطويل.
واعتبر شاؤون أن التحوّل الأساسي بدأ من واشنطن، حيث رأى أن "عقيدة ترامب الثانية" تختلف جذرياً عن النهج الأميركي التقليدي، إذ تقوم على مقاربة "أداتية" تركز على المصالح الاقتصادية لا على القيم الديموقراطية. وبحسب الكاتب، فإن هذه المقاربة انعكست في سلسلة خطوات أميركية شملت رفع العقوبات عن سوريا، واستضافة أحمد الشرع في البيت الأبيض، والتقارب مع تركيا، وصولاً إلى الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للاعتذار لأمير قطر عقب استهداف إسرائيل أهدافاً داخل قطر.
وبحسب المقال، فإن هذه التحولات تعكس توجهاً أميركياً جديداً يفضّل "الزعماء الأقوياء" على الحلفاء الديموقراطيين، ما يؤدي إلى تراجع قيمة إسرائيل باعتبارها "الديموقراطية الوحيدة في المنطقة"، وهو ما كان يشكل لسنوات أحد عناصر تفوقها السياسي والاستراتيجي في الغرب.
وانتقد الكاتب ما وصفه بـ"السردية المضللة" حول وجود "محور سني واحد"، مؤكداً أن الواقع أكثر تعقيداً، إذ توجد – وفق مقاله – محاور سنية متنافسة تسعى لتحديد شكل الشرق الأوسط. واعتبر أن المحور الأول هو محور "راديكالي إسلامي" تقوده تركيا وقطر، وهو المحور الذي يتحكم بما يحدث على الأرض في أكثر من ساحة. وأشار إلى أن تركيا تدعم الجيش السوري الجديد بالسلاح والتدريب والمستشارين العسكريين، فيما تقوم قطر بتمويل رواتب موظفي القطاع العام في سوريا بما يقارب 29 مليون دولار شهرياً، إلى جانب دعم الغاز بما يصل إلى 60 مليون دولار والاستثمار في البنى التحتية. كما لفت إلى أن البلدين يدعمان جماعة الإخوان المسلمين وحركات إسلامية أخرى، معتبراً أن أحمد الشرع بات حليفاً مركزياً لهذا المحور.
وفي المقابل، تحدث شاؤون عن محور ثانٍ "محافظ ومعتدل" يضم السعودية والإمارات والأردن ومصر، يحاول موازنة نفوذ تركيا وقطر عبر أدوات اقتصادية، قائلاً إن هذه الدول تدعم الاعتدال وتعارض الإسلاموية الراديكالية. إلا أنه أشار في الوقت نفسه إلى أن التجارب السابقة تظهر – بحسب رأيه – أن السعودية فشلت مراراً في وقف نفوذ المحور التركي-القطري في العراق ولبنان واليمن.
وفي سياق موازٍ، اعتبر الكاتب أن "اتفاقات أبراهام" التي بدت بمثابة اختراق سياسي كبير عام 2020، تراجعت قوتها بشكل واضح بعد الحرب على غزة. وذكر أن السعودية ابتعدت عن مسار التطبيع واقتربت أكثر من قطر وتركيا وحتى من إيران، فيما عبّرت الإمارات عن امتعاضها من استمرار الحرب في غزة وشعورها بأن قطر تحظى بحصة أكبر من الاهتمام في خطط دونالد ترامب. كما أورد أن نسبة المعارضة للتطبيع في البحرين وصلت إلى 95% مقارنة بـ85% قبل الحرب، مشيراً إلى أن تركيا قطعت علاقاتها الدبلوماسية بالكامل مع إسرائيل في تشرين الثاني 2024، بينما رفض أحمد الشرع الانضمام إلى الاتفاقات.
وربط الكاتب بين هذا التحول وما اعتبره نقطة انعطاف مفصلية تتمثل بالضربة الإسرائيلية التي استهدفت قطر في أيلول 2025، والتي يرى أنها دفعت دول الخليج إلى استنتاج أنها باتت جميعاً عرضة للخطر من جانب إسرائيل، وليس من إيران فقط.
وتناول شاؤون موقع مصر في التحولات الجارية، واصفاً إياها بـ"العملاق المُضعَف" الذي جرى تهميشه تدريجياً في المعادلة العربية. ورأى أن القاهرة ما زالت تحافظ على اتفاق السلام مع إسرائيل باعتباره مصدراً لمساعدات أميركية بمليارات الدولارات، إلا أن ضعفها الاقتصادي واعتمادها على السعودية والإمارات وسياساتها الخارجية "الردّية" جعلها لاعباً ثانوياً في ملفات السودان وأفريقيا وسوريا، حيث باتت تتأخر في اتخاذ المبادرات وتتحرك وفق موجة الأحداث.
وفي خلاصة مقاله، شدد الكاتب على أن "المفارقة الأساسية" تكمن في أن نجاح إسرائيل بإضعاف إيران سهّل صعود تركيا كلاعب إقليمي مهيمن. ولفت إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يدعو علناً إلى تدمير إسرائيل، وأن تركيا تقوم بتسليح سوريا، معتبراً أن ثمن هذا الدور التركي في سوريا قد يكون مكلفاً على إسرائيل.
واعتبر شاؤون أن الضربات الإسرائيلية المتواصلة في سوريا، والتي قال إنها تجاوزت 500 ضربة منذ سقوط نظام بشار الأسد، إلى جانب السيطرة على أراض إضافية، لا تُترجم كتعزيز لموقع إسرائيل، بل تُسهم في تقويض الوضع القائم إقليمياً وتعزز صورتها كدولة "تزعزع الاستقرار". ويرى الكاتب أن ذلك يدفع الدول السنية "المعتدلة" مثل السعودية والإمارات إلى الابتعاد عن إسرائيل والاقتراب من المحور التركي-القطري.
وأضاف أن إسرائيل باتت تُرى اليوم كقوة عسكرية كبيرة لكن بنفوذ إقليمي محدود، على عكس تركيا ودول الخليج التي تملك نفوذاً سياسياً و"قوة ناعمة" إلى جانب الإمكانيات العسكرية والاقتصادية. واعتبر أن مشروع الممر الاقتصادي IMEC (الهند-الشرق الأوسط-أوروبا) يحتاج إلى استقرار وإلى تطبيع سعودي بات يتراجع، في وقت تتحول فيه سوريا وتركيا إلى بدائل محتملة في الحسابات الإقليمية.
وختم الكاتب بالقول إن إسرائيل تواجه تحدياً استراتيجياً حاداً يتمثل في ضرورة إيجاد توازن بين الحفاظ على تفوقها العسكري وبين تجنّب تقويض الوضع القائم بطريقة تنفّر حتى الحلفاء المحتملين. واعتبر أن استمرار العمليات العسكرية الهجومية في سوريا ولبنان ومناطق أخرى قد يعزز سردية "إسرائيل كمزعزعة للنظام"، ما قد يدفع القوى السنية المعتدلة إلى الارتماء أكثر في أحضان تركيا وقطر.
وتابع أن إسرائيل، في ظل "عصر ترامب" حيث لم تعد القيم الديموقراطية تمثل ميزة، وحيث تبحث الولايات المتحدة عن الاستقرار عبر "الصفقات" مع زعماء أقوياء، قد تجد نفسها في حالة عزلة متزايدة، ليس رغم نجاحاتها العسكرية، بل بسببها.