“ليبانون ديبايت”
ليس التصويت على موازنة 2026 حدثًا ماليًا عابرًا، ولا مجرد أرقام تُسجَّل في محضر جلسة. ما جرى في مجلس النواب موقف سياسي كامل الدسم، له عنوان واحد: ضرب الحكومة من الداخل… وإضعاف رئيسها… ودفعه إلى الزاوية التي يريدها خصومه.
في لحظة كان يُفترض أن تكون امتحانًا لحدّ أدنى من التماسك داخل السلطة، اختارت القوى التي تتغنّى بـ”السيادة”، وعلى رأسها القوى المسيحية، أن تتصرّف كأنها خارج الحكومة… وهي في قلبها. وبدل أن تكون الموازنة محطة للمحاسبة من داخل المؤسسات أو لفرض شروط إصلاحية جدّية، تحوّلت إلى رصاصة في ظهر الحكومة، وتحديدًا في ظهر الرئيس نواف سلام، عبر تصويت ملتبس لا يُقرأ إلا في سياق واحد: رمي الرجل في حضن خصومه، وتقديمه قربانًا مجانيًا على مذبح المزايدات.
أقرّ مجلس النواب مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2026 بأكثرية 59 صوتًا، مقابل 34 صوتًا معارضًا و11 نائبًا امتنعوا عن التصويت. هنا تبدو القصة رقمية، لكنها ليست كذلك. لأن السياسة لا تُقرأ بالأرقام، بل بالاصطفافات وبالرسائل.
كتلتا “حركة أمل” و”حزب الله” و”اللقاء الديمقراطي” ومعهم عدد من المستقلين صوّتوا “مع”. في المقابل، اختارت “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” التصويت “ضد”، فيما قررت “الكتائب اللبنانية” الامتناع.
قد يقول البعض: المعارضة حق. نعم، المعارضة حق… لكن لمن هو خارج السلطة. أما أن تكون في الحكومة وتعارضها في البرلمان، فهذا ليس حقًا… هذا احتيال سياسي.
لنقلها بلا مساحيق: “القوات اللبنانية” داخل الحكومة ولديها 4 وزراء، ومع ذلك صوّتت ضد موازنة حكومتها. و”الكتائب اللبنانية” شريكة في الحكومة أيضًا، ومع ذلك امتنعت. أي رسالة تُرسل للداخل والخارج عندما يصبح الوزير شريكًا في القرار، بينما يصبح النائب خصمًا للقرار نفسه؟ هذه ليست سياسة… هذه لعبة مزدوجة: المشاركة في السلطة للاستفادة من النفوذ، ثم غسل اليدين أمام الجمهور عند ساعة الحساب.
والأخطر أن هذا السلوك لا يسقط الموازنة… بل يسقط الحكومة سياسيًا، أو بالأحرى: يسقط رئيسها.
في العمق، ما جرى استهداف سياسي مباشر للرئيس نواف سلام. لأن الرجل، مهما اختلفنا معه، يبقى عنوانًا لرهان داخلي وخارجي على إدارة مختلفة، وعلى محاولة بسط سلطة الدولة وحصر القرار الأمني والسياسي بها. لكن بدل أن تتصرف القوى التي تسمي نفسها “سيادية” كرافعة داخل المؤسسات لتقوية الحكومة، اختارت أن تكسر ظهرها وتقول للعالم: لا غطاء مسيحيًا ولا غطاء سياديًا لهذا الرجل.
وحين يُعزل رئيس الحكومة ويُترك مكشوفًا، من يقوى؟ ليس الدولة ولا المؤسسات، بل مراكز القوة خارج الدولة… والجميع يعرف من يملكها.
خلاصة القول: ليست المشكلة أن القوات صوّتت ضد أو أن الكتائب امتنعت. المشكلة أن من يدّعي السيادة يتصرف كمن يجهز على آخر ما تبقى من الدولة. هم يدفعون نواف سلام إلى الزاوية… ثم يلومونه لاحقًا لأنه اضطر إلى التراجع أو المساكنة.
إنها ليست معركة موازنة… إنها معركة على الدولة.