في مدرسة Sainte Famille – Fanar، وجد الأهالي أنفسهم أمام واقع مالي جديد بعدما قفز القسط المدرسي من نحو 2850 دولارًا و52 مليون ليرة لبنانية في العام الماضي إلى ما يفوق 3500 دولار و64 مليون ليرة لبنانية هذا العام، وذلك تحت تبرير مفاده أنّ الدولة فرضت التصريح عن رواتب جميع الموظفين بالدولار الكامل وما يترتّب على ذلك من أعباء ضريبية، من دون أن يُرفق هذا القرار بأي شرح رسمي شامل أو كشف حساب واضح يبيّن بدقّة كيفية احتساب هذه الزيادة وأوجه صرفها.
وبحسب إفادات عدد من أولياء الأمور لـ"ليبانون ديبايت"، أوضحت إدارة المدرسة أنّ نسبة الرواتب المدفوعة بالدولار ارتفعت من نحو 60% إلى ما بين 80 و85%، الأمر الذي استُخدم لتبرير الزيادة، غير أنّ هذه المعطيات لم تُقنع شريحة واسعة من الأهالي، الذين طرحوا تساؤلات أساسية حول سبب عدم إدراج هذه الأعباء في الموازنة منذ بداية العام الدراسي، وحول مصير الموازنات التفصيلية التي يُفترض أن تُعرض وتُناقش قبل اتخاذ أي قرار مالي من هذا الحجم.
أحد أولياء الأمور عبّر عن هذا الاعتراض بالقول إن الأهالي يعيشون الأزمة الاقتصادية نفسها التي تعيشها المدارس، ولا يمكن التعامل معهم كأنهم مصدر تمويل مفتوح بلا ضوابط، معتبرًا أنّ القسط المدرسي يجب أن يُحدَّد قبل انطلاق السنة الدراسية لا بعد مرور أشهر على بدئها، لأن أي تعديل لاحق يضرب مبدأ الشفافية ويحمّل العائلات أعباء غير محسوبة.
الاعتراض لم يقتصر على إدارة المدرسة، بل انسحب أيضًا على لجنة الأهل، التي رأى عدد من أولياء الأمور أنّها فقدت دورها التمثيلي، بعدما وافقت على الزيادة من دون العودة إلى القاعدة الأوسع من الأهالي، ومن دون إصدار أي بيان توضيحي يشرح حيثيات القرار، ما فتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول طبيعة دورها الفعلي، وحول ما إذا كانت تمثّل مصالح الأهالي فعلًا أم تعمل بتنسيق كامل مع الإدارة.
وفي هذا السياق، أشار أهالٍ إلى أنّهم سمعوا خلال الأيام الماضية عن اجتماعات ونقاشات متكرّرة، لكن من دون أن يصلهم أي موقف رسمي أو خلاصة واضحة، الأمر الذي عزّز شعورهم بأن القرارات تُتخذ بمعزل عنهم، وبأنهم يُستدعون فقط إلى لحظة الدفع، لا إلى لحظة القرار.
وتوسّعت دائرة التساؤلات داخل مجموعات الأهالي لتشمل مقارنات مع مدارس أخرى في لبنان والمنطقة، حيث تبيّن أنّ أقساط عدد من المؤسسات التربوية الكبرى لا تتجاوز عتبة الثلاثة آلاف دولار، رغم قدرتها على تأمين رواتب الأساتذة، والصيانة، والأنشطة المدرسية، ما دفع بعض الأهالي إلى اعتبار أنّ رفع القسط إلى هذا المستوى لم يعد مسألة كلفة فعلية بقدر ما هو تسعير قائم على "الـ prestige"، لا على معايير مالية شفافة.
إلى جانب القسط الأساسي، فُرضت رسوم إضافية قُدّرت بنحو 45 دولارًا عن كل تلميذ، من دون أي توضيح دقيق لوجهتها أو للأهداف التي ستُصرف من أجلها، وهو ما أثار استياء الأهالي الذين اعتبروا أنّ جمع هذه المبالغ من مئات التلاميذ يوازي عشرات آلاف الدولارات، ومن حقّهم الطبيعي معرفة كيفية إنفاقها وفق فواتير وأرقام واضحة.
وفي موازاة ذلك، تعود الأنظار إلى وزارة التربية والتعليم العالي، التي يُحمّلها الأهالي مسؤولية مباشرة عمّا يجري، باعتبارها الجهة المخوّلة قانونًا مراقبة الموازنات المدرسية والمصادقة عليها قبل بداية العام الدراسي، غير أنّها تبدو، بحسب تعبيرهم، غائبة بالكامل عن مشهد الزيادات المتفلّتة، سواء عبر التقاعس أو عبر غضّ النظر، ما سمح بتحوّل الموازنات إلى إجراء شكلي تُتخذ القرارات الفعلية بعده تحت ضغط الأمر الواقع.
ما يحصل في مدرسة Sainte Famille – الفنار لا يُنظر إليه من قبل الأهالي كحالة استثنائية، بل كنموذج صارخ لواقع التعليم الخاص في لبنان، حيث تتحوّل المدارس إلى وحدات مالية مستقلة تفرض شروطها من طرف واحد، فيما يجد الأهالي أنفسهم في موقع الحلقة الأضعف، يدفعون من دون مشاركة حقيقية أو ضمانات واضحة.
وفي هذا الإطار، يؤكّد الأهالي أنّهم لا يرفضون تحمّل كلفة رواتب الأساتذة، ولا يشكّكون بالقيمة التربوية للمدرسة، لكنهم يشدّدون على أنّ الشفافية يجب أن تكون حاضرة منذ البداية، لا أن تُستبدل بسياسات أمر واقع، معتبرين أنّ المدرسة ملزمة بالإعلان المسبق عن كلفة التعليم الحقيقية، بما يتيح للأهالي تقييم قدرتهم على الالتزام بالقسط قبل تسجيل أولادهم من الأساس.
ويشير الأهالي إلى أنّ العائلات التي لا تستطيع تحمّل هذه الأعباء، أو لا تجد القسط متناسبًا مع إمكاناتها، كانت لتختار مسارًا تعليميًا آخر منذ البداية، بدل الوقوع لاحقًا تحت ضغط زيادات مفاجئة في منتصف العام الدراسي.
وفي هذا السياق، يرى عدد من الأهالي أنّ ما يجري يُشبه خدعة معتمدة من بعض المدارس، تقوم على استقطاب التلامذة عبر أقساط أولية أقلّ نسبيًا، ثم فرض زيادات لاحقة بعد مرور جزء من العام، حين يصبح الأهل عمليًا مجبرين على الدفع حفاظًا على استقرار أولادهم التعليمي، وهو ما يعتبرونه ممارسة غير أخلاقية تُفرغ مفهوم الشراكة التربوية من مضمونه.
وإلى أن تتخلّى وزارة التربية عن دور المتفرّج الصامت وتتحمّل مسؤولياتها القانونية كاملة في فرض الشفافية والمساءلة، سيبقى التعليم الخاص في لبنان ساحة مفتوحة لفوضى الأقساط والقرارات الاعتباطية، فيما تُترك العائلات لمصيرها، تُستنزف ماليًا عامًا بعد عام، ويُدفع الاستقرار الاجتماعي ثمن هذا الإهمال، على حساب كرامة التعليم وحقّ التعلّم نفسه. وفي ظلّ هذا الواقع، لا يبدو السؤال اليوم كم سيدفع الأهالي، بل من يضع حدًا لفوضى الأقساط، ومن يعيد للتعليم الخاص معناه كشراكة تربوية حقيقية، لا كمعادلة ابتزاز مالي مقنّع تُفرض تحت ضغط الأمر الواقع.