من "أميركا أولًا" إلى "أميركا وحدها".. هكذا دفعت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب واشنطن نحو مسار متسارع من العزلة الدولية، وفق ما خلص إليه تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، تناول تراجع علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها بعد عام أول مضطرب من الولاية الثانية لترامب.
وبحسب التقرير، فإن تحوّط الحلفاء ومراقبة الخصوم عن كثب يترافقان مع خطر استراتيجي يتمثّل في عزلة أميركية قد تكون أعلى كلفة وأصعب في المعالجة من أي مكاسب قصيرة الأجل. وأشار إلى أن خطاب ترامب، الذي استهدف الحلفاء في كثير من الأحيان أكثر من الخصوم، عزّز الانطباع بأن واشنطن باتت قوة متجاهلة، إن لم تكن معادية، لشراكات راسخة بُنيت على مدى عقود.
وخلال تصريحات أدلى بها في سويسرا الأسبوع الماضي، سخر ترامب من الأوروبيين ملمّحًا إلى أنهم "كانوا سيتحدثون الألمانية" لولا التدخل الأميركي في الحرب العالمية الثانية، وهي عبارة لاقت صدى سلبيًا في عواصم أوروبية كانت أصلًا قلقة من مسار السياسة الأميركية. ويعكس الرأي العام هذا القلق، إذ تُظهر استطلاعات لمؤسسة "فورسا" في ألمانيا أن غالبية حاسمة باتت تنظر إلى الولايات المتحدة كخصم، فيما تشير استطلاعات أخرى عبر أوروبا إلى تراجع الثقة بواشنطن بوصفها حليفًا يمكن الاعتماد عليه، مع تسجيل ارتفاع حاد في الآراء السلبية تجاه الولايات المتحدة في ديمقراطيات متقدمة أخرى.
ويتزامن هذا التراجع في "حسن النية" مع تحولات سياسية جوهرية، إذ قلّصت الإدارة الأميركية خلال العام الماضي معظم المساعدات الخارجية، وانسحبت من عدد كبير من المؤسسات متعددة الأطراف، وعلّقت المساعدات العسكرية المباشرة لأوكرانيا في خضم حربها مع روسيا، وهي خطوات ترى فيها حكومات أوروبية تقويضًا لمفهوم الأمن الجماعي. كما لوّح ترامب باستخدام القوة لتحقيق أهداف إقليمية، من بينها غرينلاند، قبل أن يخفف لاحقًا من لهجته، إلى جانب فرضه حواجز تجارية جديدة على شركاء رئيسيين.
وفي المحافل الدولية، صعّد الرئيس من انتقاداته، ففي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس سخر من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، واتهم كندا بنكران الجميل، ووصف حلف شمال الأطلسي بأنه عبء مالي، ما عزّز المخاوف بشأن التزام واشنطن بتحالفاتها. ورغم اعتذاره لاحقًا عن ادعاء غير دقيق يتعلق بعدم نشر دول الحلف قوات إلى جانب القوات الأميركية في أفغانستان، فقد سلّطت الواقعة الضوء على نمط أوسع من التوتر مع الشركاء.
ولا تقتصر الكلفة المعنوية على أوروبا، ففي كندا والمكسيك تُظهر استطلاعات أن النظرة السلبية إلى الولايات المتحدة باتت تفوق الإيجابية بفوارق واسعة، مع تصنيف كثيرين لواشنطن كتهديد أكبر من الصين. وفي آسيا أيضًا تراجعت التصورات، إذ تشير استطلاعات في كوريا الجنوبية إلى أن نحو نصف السكان يرون الولايات المتحدة دولة مهدِّدة أو غير موثوقة، في ظل نزاعات تجارية وإجراءات هجرة طالت عمالًا كوريين.
في المقابل، يرى ترامب أن نهجه يهدف إلى تصحيح اختلالات تراكمت لعقود، وإنهاء ما يصفه بـ"الاعتماد المجاني" للحلفاء على الضمانات الأمنية الأميركية والممارسات التجارية غير العادلة. ويعرض سياساته على أنها حماية للشركاء من دعم مكلف للطاقة الخضراء وهجرة غير منضبطة، وهي انتقادات تلقى صدى لدى بعض الجماهير الأجنبية، رغم إقرار حتى المتعاطفين معه بأن الأسلوب والتنفيذ أجهدا العلاقات.
ويشير التقرير إلى استثناءات محدودة، إذ تحسّنت النظرة إلى الولايات المتحدة في إسرائيل عقب دعم واشنطن حربها على غزة، وارتفعت في الهند، وبقيت إيجابية في الأرجنتين في ظل الرئيس خافيير ميلي، المؤيد الصريح لترامب. وفي فنزويلا، ينسب البعض لحملة الضغط الأميركية إضعاف قبضة نيكولاس مادورو، غير أن محللين يحذّرون من أن هذه المكاسب المعزولة لا تعوّض التشكيك العالمي الأوسع.
وتتجاوز التداعيات مسألة الرأي العام، إذ يعيد الحلفاء تقييم تبعياتهم الاستراتيجية مع تآكل الثقة بالضمانات الأمنية الأميركية. وتسرّع حكومات أوروبية وآسيوية وتيرة الإنفاق الدفاعي وتنويع الروابط التجارية، وتناقش الحاجة إلى قدر أكبر من الاستقلالية، بما في ذلك الردع النووي، في نظام دولي أقل قابلية للتنبؤ. ويحذّر وزير المالية والسفير البرازيلي السابق روبنس ريكوبيرو من أن تكرار الصدمات يجعل الفصل بين قادة الولايات المتحدة ومجتمعها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ويشير التاريخ، بحسب التقرير، إلى أن صورة الولايات المتحدة قادرة على التعافي، كما حصل بعد حرب فيتنام وحرب العراق والولاية الأولى لترامب، مدعومة بقوتها الاقتصادية ونفوذها الثقافي. غير أن آخرين يرون أن اللحظة الراهنة مختلفة، إذ شكّك ترامب في قيمة المؤسسات والتحالفات التي شكّلت أساس النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. ويعتبر روبرت كاغان أن هذا الشرخ قد يكون دائمًا، مشيرًا إلى أن كسر الثقة يجعل استعادتها أمرًا بالغ الصعوبة، بغض النظر عمّن يشغل البيت الأبيض لاحقًا.
وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأت الآثار تظهر بوضوح مع تراجع أعداد السياح الدوليين إلى الولايات المتحدة خلال العام الماضي، وبدء مصنعين في الخارج بتنويع أسواقهم للتحوّط من تقلبات السياسة التجارية. وفي الوقت نفسه، تعمّق حكومات حليفة، من أوروبا إلى آسيا، علاقاتها بهدوء مع بكين كوثيقة تأمين في مواجهة عدم اليقين في واشنطن.
ويرى التقرير أن التحوّل يبدو أكثر تأثيرًا في أوروبا، حيث شكّلت الشراكة عبر الأطلسي ركيزة للاستقرار منذ الحرب العالمية الثانية. ورغم محاولات استرضاء واشنطن عبر زيادة الإنفاق الدفاعي وكبح الردود التجارية، لا يرى قادة أوروبيون عائدًا ملموسًا. كما أن ضغوط الولايات المتحدة للتوصل إلى تسوية في أوكرانيا، والتي يُنظر إليها على أنها تصب في مصلحة موسكو، إلى جانب التهديدات الموجّهة إلى الدنمارك بشأن غرينلاند، عزّزت المخاوف من أن التزامات الدفاع الجماعي لم تعد مضمونة.
وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء الدنماركي السابق أندرس فوغ راسموسن إن الضرر "ذاتي الصنع"، معتبرًا أن سلوك ترامب يغذّي الحجة القائلة بأن أوروبا تحتاج إلى بديل عن الولايات المتحدة.