"ليبانون ديبايت"
في ظلّ المشهد اللبناني المأزوم، حيث تتقاطع الضغوط الداخلية مع التحوّلات الإقليمية والدولية، يقف لبنان عند مفترق بالغ الحساسية، تتداخل فيه الحسابات السياسية مع الهواجس الأمنية، فيما تبدو الدولة عاجزة عن الإمساك الكامل بزمام المبادرة. فبين محاولات السلطة إعادة تثبيت دورها، واستمرار الصراع المفتوح حول سلاح حزب الله ودوره، تبقى البلاد معلّقة على إيقاع التطورات الإقليمية، ولا سيّما مسار العلاقة الأميركية – الإيرانية، في وقت تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية من دون رادع فعلي، ما يكرّس واقعاً هشّاً يهدد الاستقرار السياسي والأمني على حد سواء.
في هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم أنّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والحكومة وفريق السلطة بشكل عام مستمرون في تنفيذ المهمة التي جاؤوا على أساسها إلى الحكم، وعنوانها العريض «التخلّص من سلاح حزب الله». ويشير إلى أنّ هذه المسيرة بدأت منذ نحو شهرين ونصف الشهر في منطقة جنوب الليطاني، فيما يجري اليوم التحضير للانتقال إلى شمال الليطاني، إلا أنّ التحدي الأساسي يكمن في قدرة السلطة على المضي قدماً في هذا المسار، وما إذا كانت قادرة فعلاً على تحقيقه.
وبرأي بيرم، فإنّ السلطة، ورغم أدائها للدور المطلوب منها، لا تستطيع الاستمرار في هذا النهج إلى النهاية، ولا يمكنها الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله وبيئته. ويؤكد أنّ هناك رهانات وضغوطاً، داخلية وخارجية، لدفع الأمور نحو هذا الصدام، إلى جانب تمنّيات لدى أطراف عدة ببلوغ هذه المرحلة، انطلاقاً من اعتبارهم أنّ أول رصاصة بين الفريقين ستؤسس لوضع جديد، سواء بالنسبة إلى حزب الله أو إلى الدولة اللبنانية. غير أنّ بيرم يحذّر من أنّ مثل هذا السيناريو قد يعني نهاية الطرفين معاً، بما يحمل في طيّاته تهديداً وجودياً للبنان ككل.
ويشير إلى أنّ رئيس الجمهورية حاول الدفع في هذا الاتجاه، إلا أنّ قائد الجيش لم يتجاوب، فيما عبّر رئيس الحكومة عن تمنّياته، لكنّ الدرس الأخير، وفق بيرم، فرض على الرئيس عون فرملة اندفاعته، ولا سيّما بعد الضغوط التي مارسها حزب الله وجمهوره، حيث كانت الرسالة واضحة: «لسنا على استعداد لأن نكون كبش فداء، وسنواجه».
ويعتبر بيرم أنّ رئيس الجمهورية يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن يبلغ الأميركيين بأنّه حاول ولم يستطع المضي في هذا المسار، أو أن يستمر في ممارسة الضغوط على حزب الله، مع ما يحمله ذلك من مخاطر كبيرة.
أما في ما يتعلّق بزيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، فيلفت بيرم إلى أنّ هيكل سيعرض أمام المسؤولين الأميركيين ما أنجزه الجيش في منطقة جنوب الليطاني. وفي المقابل، يرجّح أن يكون موقفه واضحاً في ما يخص شمال الليطاني، إذ سيؤكد أنّ الجيش لا يستطيع الدخول في مواجهة مع الأهالي، وأنّه عند وصول الأمور إلى مرحلة الصدام، فإنّ الجيش لن يكون طرفاً في هذه المواجهة.
ومن هذا المنطلق، لا يحسم بيرم ما إذا كانت الأيام المقبلة ستتجه نحو حرب كبرى أم لا، إذ يربط ذلك بشكل مباشر بما يجري في الإقليم، ولا سيّما تطور العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. ويؤكد أنّ الوضع اللبناني يبقى مرتبطاً بهذه المعادلات الخارجية، من دون وجود حسابات لبنانية مستقلة قادرة على تغيير المسار، مشيراً إلى أنّ إسرائيل ستستمر في اعتماد الأسلوب نفسه الذي تتبعه حالياً من استهدافات واعتداءات، من دون خشية من أي رد فعل.
وعلى صعيد الانتخابات النيابية، يتوقّع بيرم أن تُجرى في موعدها خلال شهر أيار، مع احتمال تأجيل تقني محدود في حال دعت الحاجة، مستبعداً بشكل قاطع تأجيلها لمدة سنتين كما كان يُروّج سابقاً. كما يستبعد، وفق المسار الحالي، أن يتمكن خصوم الثنائي من خرق لوائحه، رغم وجود محاولات جدّية في هذا الاتجاه. ويلفت إلى أنّ خصوم الثنائي، في خضم الصراع المستمر، يعتقدون أنّ اللحظة مؤاتية لهم، ويحاولون الاستفادة منها إمّا عبر خرق الثنائي مباشرة، أو من خلال استهداف حلفائه في الطوائف الأخرى.