تحرّك ميداني يكشف التعدّي
لم يعد التلوّث في نهر الليطاني مجرّد نتيجة عرضية لضعف البنى التحتية أو لتراكم الإهمال عبر السنوات، بل بات، في بعض محطّاته، نتاجًا مباشرًا لقرارات لا تُنفّذ، ولمرافق عامة تعمل خارج أي إطار قانوني، رغم صدور أوامر رسمية واضحة بإقفالها. وما كُشف مؤخرًا في منطقة بعلبك العقارية، ضمن الحوض الأعلى للنهر، يشكّل نموذجًا فاضحًا لهذا الخلل البنيوي، ويضع الرأي العام والجهات الرسمية أمام واحدة من أخطر القضايا البيئية والصحية الموثّقة بالأدلة والوقائع.
في إطار مهامها القانونية الهادفة إلى حماية نهر الليطاني وحوضه من التلوّث والتعدّيات، وضمن برنامج الكشف الدوري على المؤسسات الصناعية والمصنّفة، نفّذت الفرق الفنية التابعة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، بتاريخ 3 شباط 2026، كشفًا ميدانيًا في منطقة بعلبك العقارية – قضاء بعلبك. وقد أظهر الكشف وجود مخالفة قانونية جسيمة وتعدٍّ خطير ذي طابع صحي وبيئي، ناجم عن تشغيل مسلخ مواشٍ عائد لبلدية بعلبك بصورة غير قانونية، ومن دون أي ترخيص أصولي صادر عن المراجع المختصة.

وأثبت التقرير الفني المنظّم بنتيجة الكشف أن المسلخ لا يزال يعمل بشكل كامل، ويقوم بتصريف المياه الصناعية الناتجة عن أعمال الذبح، والمحمّلة بالدماء والمخلّفات العضوية، مباشرةً إلى شبكات الصرف الصحي العامة التي تصبّ في محطة معالجة إيعات، من دون إخضاع هذه المياه لأي نوع من المعالجة المسبقة. وقد اعتُبرت هذه الوقائع، المدعّمة بالصور والمشاهدات الميدانية، تهديدًا مباشرًا لسلامة محطة المعالجة وقدرتها التشغيلية، فضلًا عن انعكاساتها الخطيرة على نوعية المياه والصحة العامة في الحوض الأعلى لنهر الليطاني.

قرار إقفال صادر… والمخالفة مستمرّة
تزداد خطورة هذه القضية في ضوء ثبوت أن التعدّي الموثّق لا يجري في فراغ قانوني. فبتاريخ 19 تشرين الثاني 2025، أصدرت وزارة الصناعة القرار رقم 11172/ت القاضي بإقفال مسلخ المواشي المصنّف ضمن الفئة الثانية، والعائد لبلدية بعلبك، والكائن في منطقة بعلبك العقارية، وذلك لعمله من دون ترخيص قانوني، ولتسببه بأضرار بيئية جسيمة تطال الجوار وتهدّد السلامة البيئية لمحطة الصرف الصحي في إيعات. كما تضمّن القرار تكليف محافظ بعلبك – الهرمل اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه وفقًا للأصول. للاطلاع على قرار وزارة الصناعة اضغط هنا
ورغم مرور فترة زمنية طويلة على صدور هذا القرار، ورغم خطورته الواضحة، أثبت الكشف الفني الأخير أن المسلخ لا يزال مستمرًا بالعمل، في استخفاف غير مسبوق بقرار إداري نافذ وبالقوانين المرعية الإجراء، ما يطرح تساؤلات جدّية حول أسباب عدم التنفيذ، والجهات التي امتنعت أو تقاعست عن القيام بواجباتها.

مشروع مموَّل… ووعود لم تُنفّذ
تتضاعف الفضيحة عند العودة إلى الخلفية الإنمائية للموقع. ففي 10 آذار 2021، جرى توقيع مذكرة تفاهم بين صندوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية/مجلس الإنماء والإعمار واتحاد بلديات بعلبك، في إطار تنفيذ “برنامج التنمية المحلية على امتداد حوض نهر الليطاني”. وقد نصّ الملحق رقم 3 من هذه المذكرة صراحةً على مشروع تأهيل وتوسيع وتجهيز مسلخ بعلبك البلدي، مع إنشاء وتركيب محطة مناسبة لمعالجة مياه الصرف الصحي الناتجة عنه، وفقًا للمعايير البيئية المعتمدة.
كما قرّرت بلدية بعلبك، في جلستها المنعقدة بتاريخ 26 آذار 2021، قبول الهبة المقدّمة من صندوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لتنفيذ هذا المشروع، مع التزامها استلامه وإدارته وتشغيله وفق الأصول الفنية والقانونية، وبما يضمن الشفافية وحسن الإدارة وتحقيق الأهداف البيئية التي أُنشئ من أجلها. غير أن الوقائع الثابتة اليوم تُظهر أن هذه الالتزامات بقيت حبرًا على ورق، وأن المشروع لم يؤدِّ إلى وقف التعدّيات، بل استمر تصريف الملوّثات إلى الشبكات العامة من دون أي معالجة مسبقة، في مخالفة واضحة لمضمون مذكرة التفاهم وشروطها.

مراسلات رسمية وتحميل واضح للمسؤوليات
أمام خطورة الوقائع الموثّقة، لم تكتفِ المصلحة الوطنية لنهر الليطاني بإعداد التقرير الفني، بل بادرت إلى تحرّك إداري وقانوني شامل، تمثّل في توجيه سلسلة مراسلات رسمية إلى الجهات المعنية، وضعتها فيها أمام مسؤولياتها القانونية والإدارية.
فقد خاطبت المصلحة وزير الداخلية والبلديات، طالبةً التوجيه إلى الجهات المختصة في المحافظة والأجهزة الأمنية المعنية لتنفيذ قرار وزارة الصناعة بالإقفال الفوري للمسلخ، ومنع أي نشاط غير قانوني فيه، حرصًا على السلامة العامة وصحة المواطنين والبيئة. كما وجّهت كتابًا إلى رئيس مجلس الإنماء والإعمار، عرضت فيه الوقائع المثبتة، وأشارت إلى مخالفة شروط مذكرة التفاهم الموقّعة، طالبةً اتخاذ ما يراه مناسبًا ضمن صلاحيات المجلس للتحقق من الالتزام بمضمون الاتفاقية وملحقها، وضمان تنفيذ المشروع وفق الأصول الفنية والبيئية التي أُقرّ على أساسها.
كذلك خاطبت المصلحة وزير الصناعة، متابعةً واستيضاحًا بشأن استمرار عمل المسلخ وعدم تنفيذ قرار الإقفال رقم 11172/ت، طالبةً إفادتها حول أسباب عدم التنفيذ والإجراءات التي اتُّخذت أو يُفترض اتخاذها بحق الجهة المخالفة، بهدف وقف هذا التعدّي البيئي الخطير الذي يساهم مباشرة في تفاقم تلوّث نهر الليطاني.
القانون حاضر… والتنفيذ غائب
إن ما وثّقته المصلحة الوطنية لنهر الليطاني يضع هذه القضية في صلب مخالفة صريحة لقانون المياه رقم 192/2020، ولا سيّما المواد المتعلقة بحماية الموارد المائية ومنع تصريف النفايات السائلة في الأوساط المائية من دون معالجة، فضلًا عن مخالفة قانون حماية البيئة رقم 444/2002 والقرارات التطبيقية الصادرة عن وزارتي البيئة والصناعة، التي أوجبت إنشاء محطات معالجة خاصة بالمسالخ والالتزام بالقيم الحدّية للصرف الصناعي.
غير أن جوهر المشكلة لم يعد في النصوص القانونية، بل في غياب التنفيذ والمساءلة، وفي تحوّل بعض المرافق العامة إلى مصادر تلوّث محمية بالأمر الواقع، على حساب الصحة العامة ونوعية المياه وحقوق المواطنين.
فضيحة تتجاوز مسلخًا واحدًا
إن ما كُشف في بعلبك ليس قضية محلية معزولة، بل فضيحة مكتملة الأركان تكشف حجم الفجوة بين القرارات المعلنة والواقع التنفيذي، وتُظهر كيف يمكن لتعدٍّ واحد أن يهدّد نهرًا، ومحطة معالجة، وبيئة كاملة، إذا تُرك من دون محاسبة. وفي المقابل، يبرز تحرّك المصلحة الوطنية لنهر الليطاني كنموذج لدور الإدارة العامة حين تلتزم بواجبها القانوني، فتُسمّي المخالفات بأسمائها، وتوثّقها، وتحمّل المسؤوليات، وتطالب بالتنفيذ الفوري.
ويبقى السؤال المفتوح: هل ستُترجم هذه المراسلات والتحذيرات إلى إجراءات حاسمة على الأرض؟ أم أن نهر الليطاني سيبقى رهينة قرارات لا تُنفّذ، وفضائح تُكشف… ثم تُنسى؟


