"ليبانون ديبايت" - سمر يمّوت
لم يعد الهاتف الذكي مُجرّد أداة تكنولوجية، بل أصبح عُنصرًا أساسيًا في نمط الحياة اليومية، يُسهّل التواصل والعمل والوصول إلى المعلومات. غير أنّ الانكباب المُفرط على هذا الجهاز الصغير، قد يتحوّل إلى شكل من أشكال الإدمان الرقمي، ما يضعف أحيانًا الحوار المباشر ويحدّ من دفء التواصل داخل البيت الواحد.
تُشير أحدث الإحصاءات إلى أنّ أكثر من 70% من سكان العالم يستخدمون الهواتف الذكية، وأنّ 97% من المستخدمين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عامًا. أمّا متوسط الوقت الذي يقضيه الفرد يوميًا على هاتفه الذكي، فيبلغ نحو 4 ساعات و37 دقيقة، وقد يتجاوز أحيانًا 6 ساعات. وتؤكّد هذه الأرقام أنّ الهاتف الذكي لم يعد مجرّد وسيلة للاتصال، بل تحوّل إلى رفيق يومي ونافذة مفتوحة على العالم، بما يحمله من معرفة وتواصل وخدمات.
لا شكّ في أنّ الهواتف الذكية أسهمت في تسهيل الكثير من جوانب الحياة، واختصرت الوقت والجهد، وساعدت في الوصول السريع إلى المعلومات، كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في نقل الأخبار، وبناء العلاقات المهنية، وخلق فرص عمل جديدة. وقد برز هذا الدور الإيجابي بشكل خاص خلال جائحة “كورونا”، حين شكّلت التكنولوجيا أداة أساسية للتعلّم والتواصل واستمرار الحياة اليومية.
سيف ذو حدّين
غير أنّ هذه الصورة المضيئة لا تكتمل من دون التوقّف عند الوجه الآخر للهاتف الذكي، الذي تحوّل لدى كثيرين إلى سيف ذي حدّين. فالاستخدام المُفرط وغير المنضبط، نقل الهاتف من كونه وسيلة مساعدة، إلى حالة من يصفها مختصون بأنّها أقرب إلى "الإدمان السلوكي"، خصوصًا مع قضاء ساعات طويلة في تصفّح وسائل التواصل الاجتماعي، لا بهدف المعرفة، بل لمراقبة الآخرين، والتفاعل مع محتويات سطحية، وصور مصطنعة، وأخبار يومية لمشاهير أو حتى "لتافهين"، ما دفع الكثير من علماء الاجتماع إلى التحذير من الانجرار لـ "عصر التفاهة".
"الصمت الرقمي" والعزلة
انعكست ظاهرة "التعلّق بالهاتف" بوضوح على العلاقات داخل الأسرة، حيث يجتمع أفرادها في المكان ذاته، لكنّ كلًّا منهم غارق في شاشته الخاصة. تراجعت الحوارات العائلية، وحلّ "الصمت الرقمي" مكان الجلسات الأسرية التي كانت تشكّل ركيزة أساسية للتواصل والدعم النفسي، فيما أصبح الأطفال والمراهقون أكثر عرضة للعزلة والانطواء.
ترى الأخصائية في علم النفس الاجتماعي، الدكتورة فريال عبد الله، أنّ العصر الحديث أفرز نزعة متزايدة نحو الفردانية، حيث بات الفرد يضع احتياجاته الخاصة في مقدّمة أولوياته على حساب الجماعة، وأسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إضعاف التعاطف داخل الأسرة الواحدة. ولم يقتصر هذا التحوّل على الأسرة الصغيرة، بل طال أيضًا طبيعة العلاقة مع الأجداد وكبار السن، ما يعكس تغيّرًا واضحًا في أنماط العلاقات العائلية.
التصنُّع و"التسطيح الفكري"
تلفت عبد الله إلى مسألة "الهوية الافتراضية" التي يُقدّمها الأفراد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُعرض غالبًا صورة مثالية أو غير واقعية عن الحياة الشخصية. هذا التباين بين الهوية الحقيقية والمصطنعة، بحسب عبد الله، قد يخلق ضغوطًا نفسية لدى المتلقي، تتطوّر أحيانًا إلى القلق أو الاكتئاب.
وتؤكد أنّ وسائل التواصل الاجتماعي بحدّ ذاتها ليست المشكلة، بل طريقة استخدامها وغياب الوعي بتأثيراتها. وتشير إلى أنّ هذه التحوّلات أثّرت في آليات التفكير، حيث تراجع التفكير النقدي لصالح التلقّي السريع والمحتوى السطحي، إلى حدّ وصف هذا العصر بـ "عصر التسطيح الفكري" أو "عصر التفاهات". وفي ظلّ انتشار الإدمان الرقمي بين مختلف الفئات العمرية، تشدّد عبد الله على تعزيز العلاقات الاجتماعية والأسرية للحفاظ على التماسك الأسري واستقرار المجتمع.
التنظيم بدل العلاج
من جهته، يرى المستشار في شؤون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، عامر طبش، أنّ لبنان والدول العربية وصلوا إلى مراحل متقدّمة في الإدمان الرقمي، نتيجة الاعتماد المتزايد على التطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي في الشؤون المالية والإدارية والتواصل والحصول على الأخبار. هذا الواقع، بحسب طبش، خلق صدمة ناتجة عن الاستخدام اليومي المكثّف للهواتف وأجهزة الكمبيوتر، وجعل الاعتماد على العالم الرقمي أمرًا شبه حتمي.
ويشير إلى أنّ هذا الاستخدام المتواصل يولّد حالة اعتياد تشبه الإدمان، لكنها في الوقت نفسه امتداد لتحوّل طبيعي في نمط الحياة، شبيه بما كان عليه الارتباط سابقًا بوسائل الإعلام التقليدية كالتلفاز. ويؤكد أنّ المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا بحدّ ذاتها، بل في طريقة استخدامها، إذ تبقى أداة يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية.
ويخلص طبش إلى أنّ الإدمان الرقمي لا يحتاج إلى علاج بالمعنى التقليدي، بل إلى تنظيم أسلوب الحضور في الفضاء الرقمي، معتبرًا أنّ ما نعدّه اليوم إفراطًا في الاستخدام قد يصبح غدًا جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.