"ليبانون ديبايت" - نوال نصر
لا، لن نلوم قائد الجيش رودولف هيكل، فـ”السياق” الذي تكلّم به قد يختلف كثيرًا عن السياق الذي رُوي عنه، لكن قد يُؤخذ عليه شيء واحد: أنه تكلّم في ما ليس له فيه شأن، وكان عليه أن يتوقّعه. فعن ماذا – بربكم – قد يتحدث ليندسي غراهام مع قائد الجيش؟ عن جمال الأرز وقرب البحر من الجبل؟ أليست إيران – وأذرعها بطبيعة الحال – الملف الأول عند الأميركيين اليوم؟ ألا ينتظر أصحاب القرار في العالم خطوات رسمية لبنانية حاسمة باتجاه ملف حزب الله المنتفخ كما البالون؟
قال رودولف هيكل ما قال. ماذا بعد؟
من البديهي القول إن السؤال الذي رماه السيناتور ليندسي كان ذكيًا ومباغتًا. ومن المنطقي القول إن الجواب الذي قدّمه الجنرال هيكل أتى عفويًا، وإن كان القول إن لا شيء – في دهاليز السياسة – عفويًا. لنفهم قصّة الجيش اللبناني والسياسيين، نعود إلى تاريخ من تاريخ المؤسسة انطلاقًا من سؤال: هل يجيد العسكريون اللعبة السياسية؟ وهل يُفترض بهم ذلك؟
سُئل العسكري “طنسة” في امتحان الترقية إلى رتبة عريف: إذا كنت وراء المتراس وهاجمك العدو من الأمام ماذا تفعل؟ بثقة كبيرة أجاب: أطلق عليه النار. سُئل: ماذا لو أتاك العدو من اليمين؟ أجاب مبتسمًا: أطلق النار. وعاد وسُئل: وماذا لو هاجمك من اليسار؟ أجاب مستغربًا: أطلق أكيد النار. وسُئل من جديد: وماذا لو هاجمك من الوراء؟ أجاب بحنق: “يحرق دين هالجيش، ليس فيه إلا طنسة؟”
كل العيون اليوم في لبناننا على “طنسة” المتمثّل اليوم بالجيش اللبناني. هناك من يُشكّك به حين يشاء ويعود ويستعيد كل قوافي الشعر ممجّدًا إياه إذا شاء. وهو، طنسة، مطلوب منه أن “يشيل الزير من البير” – وهذا طبعًا شغله – لكن أين كل الباقين؟ لماذا لا يجرؤ “رسميون” على القول بما يعرفون: حزب الله ارتكب أعمالًا يُجرَّم عليها؟ لماذا كلما تكلّموا عنه تلوّنوا؟ يخشون من 7 أيار جديد؟
إذا، حزب الله ليس مقاومة. فلتتكلّم الدبلوماسية اللبنانية ولو مرة بجرأة، لأن الجيش ليس – ولن يكون – بديلًا عنها.
فلنعد إلى المؤسسة العسكرية المتمثّلة بـ”طنسة” في الأحداث اللبنانية من “زمان وجاي”. قيل زمان: مثلما يكون الشعب يكون جيشه. إذا انقسم أهله تشرذم، وإذا توحّدوا توحّد. الجيش اللبناني أمام استحقاق جديد. الشارع شوارع، ولبنان أكثر من لبنانين، والتطوّرات تُهدّد بالانفجار. فما هو مطلوب من الجيش اللبناني اليوم في هذا المجتمع المتنوّع؟
نصّت الفقرة “ج” من البند الثالث في وثيقة الوفاق الوطني اللبناني، التي صُدّقت في مجلس النواب في الخامس من تشرين الثاني عام 1989، تحت عنوان: تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، على “وجوب اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها، ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دوليًا، والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي، ولإتاحة الفرصة لعودة الأمن والاستقرار إلى منطقة الحدود”.
ونصّت الفقرة “أ” من البند الثاني من الوثيقة نفسها على “بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية، وحلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني”. حصل ذلك قبل 37 عامًا. واليوم ليس مطلوبًا منه سوى ذلك. لكن سار التاريخ بعكس التواريخ. وكان كلما ذُكّر البعض بالمطلوب نُعت بالعمالة. قليلون تجرأوا على التذكير، وكثيرون “غنّوا على ليل من يملك السلاح” باسم “المقاومة” وغطّوا في نوم عميق.
اليوم حان الوقت، ولم يعد من مجال – بعد كل ما حصل – للتلاعب بالوقت والمضمون والمطلوب. لكن الحزب ما زال يراهن على “قطع يد” من يجرؤ.
يستخلص خبراء في علم السياسة وجود مدارس عدّة في السلوك السياسي تجاه الجيش اللبناني، بينها مدرسة “الجيش التاكسي”، حيث شُلّت هذه المؤسسة واستُعملت لحماية سياسيين ونقلهم من موقع إلى آخر، محوّلة الجيش اللبناني إلى “جيش تاكسي” أو جيش “هيليكوبتر” للتنقّلات الرسمية والدبلوماسية. دور الجيش – يا سادة – أكبر من ذلك بكثير، وحان الوقت ليلعبه.
لكن ما يحصل هو أن الخطاب اللبناني قائم غالبًا على الالتباس – وهو ما بدا اليوم بوضوح – فهناك من “نحره” البارحة وعاد اليوم وأكثر في تبجيله. وهذا يريد الجيش اللبناني على هواه ولخدمته. فإذا خرج عن طيعه عاداه، وإذا تفوّه بما يعجبه والاه. لا، الجيش أكبر من هذا بكثير.
ببساطة وصدق، لم يشعر اللبنانيون – بغالبيتهم – يومًا أن الجيش اللبناني هو “المنقذ الحقيقي” لهم، لكنهم – بغالبيتهم – يحبونه ويعتبرونه “الضمانة والطمأنينة”. الجيوش الوطنية تكون عادة “مسيّسة”، أما هنا فيُبعدونه عن السياسة “لحمايته” من الانقسام. فكيف – والحال هكذا – لقائد جيش أن يجيب عن سؤال بحجم ما طرحه ليندسي غراهام؟
طُرح هذا السؤال اليوم، وما زال كثيرون في المؤسسة العسكرية يُصدّقون “أن قوة الجيش اللبناني في ضعفه”.
من ميل آخر، لم يكن هناك عدو واحد مشترك بين جميع اللبنانيين منذ تكوين لبنان، والسياسة – كما تعلمون – تدخلت دائمًا في طبيعة الجيش في لبنان. والسياسة المتخاذلة تفسد كل شيء. فهذا الجيش كان ممنوعًا عليه أن يبسط حضوره في الشريط الحدودي إكرامًا لحزب الله وسوريا، اللذين كانا يريدان إبقاء شعلة مزارع شبعا موجودة. هذا ما كان، أما اليوم فيبدو أن القرار – اضطراريًا – اتُّخذ: الجيش اللبناني هو الوحيد القادر على حماية الوطن والحدود والأمن القومي. لكن ما زال هناك – حتى اللحظة – من يراهن على العكس.
لذلك، من المطلوب وبإلحاح عدم إقحام السياسة في العسكر، كي يتحقق حلم اللبنانيين – كثير من اللبنانيين – بالرهان على مؤسسة الجيش وحدها.
نعود إلى سؤال ليندسي غراهام. هو – عن قصد أو من دونه – أقحم الجيش مجددًا في السياسة. فسؤاله لا يُطرح على قائد جيش بل على حكومة لبنان. وقائد الجيش انزلق في متاهة الجواب الضبابي: حزب الله في السياق اللبناني ليس إرهابيًا. وها هو الحزب يرسل كلمة سر صارت “ترند” على السوشال ميديا: قائد الجيش قال كلمته. قائد الجيش يُفترض أن يقول كلمته في بسط حضوره العسكري، أما السياسة فللدولة اللبنانية.
حزب الله مُصنّف إرهابيًا من الدولة التي زارها قائد الجيش اللبناني لتدعم مؤسسته في فترة زمنية هي الأصعب والأدق محليًا. والسؤال الخبيث الذي طُرح عليه أتت إجابته مطّاطة: “في السياق اللبناني حزب الله ليس إرهابيًا”. فماذا لو طُرح السؤال نفسه على الشعب اللبناني؟ على والدة سامر حنا، وعائلة جوزف صادر، وأولاد بيار الجميل، ووالدة لقمان سليم، وعلى مئات العائلات التي شُلعت بعد تفجير مرفأ بيروت؟ لكم أن تتخيّلوا.
فليترك الجيش يقوم بمهامه، ولتقم الدولة اللبنانية بمهامها. السيناتور ليندسي غراهام أخطأ عن قصد ربما، والجنرال رودولف هيكل أخطأ بالإجابة، وهي حقيقية في السياسة كون الدولة لا تزال تتعامل مع “حزب الله” بمنطق الازدواجية السياسية المقصودة، تجنّبًا لما هو أعظم من حزب دخل وهم الأباطرة.