المأساة في طرابلس لم تعد نظرية. فيها، تحوّلت الشقوق في جدران المنازل المهترئة إلى إنذارات موتٍ حقيقية. أبنيةٌ قديمةٌ متعبة، تُركت لسنوات من دون صيانة أو تدعيم، فيما استمرّ تأجيرها لعائلات لا تملك بديلاً. ومع كل انهيار، لا يسقط الإسمنت وحده، بل تسقط معه حياة ضحايا خسروا حياتهم تحت أنقاض منازلهم، وأُسرٍ دفعت الثمن لأنّها أرادت أن تكون تحت سقفٍ يحميها.
ليست المشكلة في قِدم الأبنية فحسب، بل في إهمال متعمّد، حوّل الزمن شمّاعةً لتبرير التقصير. مالكون تجاهلوا واجباتهم القانونية، فضّلوا العائد المادي على السلامة العامة، وبلديات وأجهزة رقابية تقاعست عن الكشف والمحاسبة. هناك، تحوّل الفقراء إلى رهائنٍ داخل بيوتٍ مُهدّدة بالسقوط. ما حدث في طرابلس بعد سقوط المبنيين، ليس حادثاً عابراً، بل جرس إنذار لمدنٍ كثيرة تعيش الخطر ذاته، بصمتٍ، عن علمٍ أو من دون علم، لأنّ لا ملاذ آخر لها سوى بيوتها.
الصورة نفسها تتكرّر أينما كان وعلى كافة الصعد، فكما تُترك الأبنية لمصيرها، يُترك السلاح المتفلّت من دون رادع، فهو حاضر في الخلافات العشائريّة والاشتباكات المتفرقة، وحتى في المناسبات الاجتماعية، حيث يتحوّل الفرح أو الحزن أو النجاح، إلى استعراض نار عشوائي يُعرّض الجميع للخطر.
هكذا تتشابه الأزمات وتتكرّر المشاهد، بيوتٌ مهدّدة بالسقوط، طرقاتٌ بلا نظام، دراجاتٌ نارية لا تعرف معنى الفرامل، سياراتٌ تجوب الشوارع عكس السير ولا تلتزم بإشارات المرور، سلاحٌ بلا ضوابط، وشوارع بلا قانون. وفي قلب هذا المشهد الفوضوي، يقف المواطن وحيدًا في مواجهة مصيره اليومي، فيما تنسحب الدولة من دورها الأساسي أو تتقاعس عن فرض النظام وتطبيق القانون، فتغيب الهيبة ويصبح الخطر جزءًا من الحياة العادية.
في لبنان، لم يعد الخطر استثناءً بل قاعدة، ولم تعد الفوضى طارئة بل أسلوب حكم. وبين هذا وتلك، سيبقى المواطن، يدفع الثمن اليوم وينتظر ما هو مجهولٌ غدًا، فإلى متى؟!.