منذ عام 2005، وُضع الطرفان على ضفتي نهر سياسي واحد، يجمعهما الوطن ويفرقهما المشروع والتموضع الإقليمي والقراءة المختلفة لمعنى الدولة ودورها. بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري تحول تيار المستقبل سياسيا على قاعدة المواجهة مع سلاح حزب الله ومن خلفه سوريا وإيران، فيما تموضع الحزب باعتباره قوة مقاومة عابرة لمنطق الحكومات والتحالفات الظرفية، ما جعل العلاقة بينهما محكومة بالتوتر حتى في لحظات
التهدئة.
بعد أحداث 7 أيار عام 2008 التي عززت الخلافات بين الحزب والتيار، ثم احداث سوريا عام 2011 التي تركت ندوبا كبيرة، ثم التسوية الرئاسية، ثم حكومات الشراكة القسرية، انتقلت العلاقة من الصدام المفتوح إلى إدارة الخلاف. لم يكن ذلك نتيجة مصالحة حقيقية، بل نتيجة إدراك متبادل بأن كلفة الانفجار أعلى من كلفة التواصل المحدود خصوصا على مستوى العلاقة بين السنة والشيعة في لبنان وكل المنطقة. حزب الله تعامل مع تيار المستقبل باعتباره ممثلا أساسيا لبيئة سنية لا يمكن تجاوزها، فيما تعامل التيار مع الحزب كقوة أمر واقع لا يمكن كسرها بالشعارات ولا حتى بإسناد خارجي متقلب بحسب المصالح.
اليوم، ومع الحديث عن نية شخصيات محسوبة على التيار خوض الانتخابات النيابية، يعود السؤال عن طبيعة التواصل القائم بظل بروز حملة سياسية واسعة ضد التيار بتهمة حديثه مع حزب الله، على اعتبار ان العلاقة مع الحزب باتت تهمة.
الواقع بحسب مصادر سياسية مطلعة أن ما يجري لا يرقى إلى مستوى التنسيق الانتخابي أو التفاهم السياسي المتقدم، جازمة عبر "ليبانون ديبايت" أن لا لقاءات رسمية، ولا غرف عمليات مشتركة، ولا صفقات دوائر.
وتشير المصادر الى ان ما هو موجود تواصل سياسي منخفض السقف، هدفه ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق إلى توترات لا تخدم أحدا في هذه المرحلة، خصوصا في ظل الانهيار الاقتصادي والعدوان الإسرائيلي على لبنان، معتبرة ان ما يجري هو تواصل محدود لإدارة الواقع، لا لتغييره.
في هذا السياق، يأتي ما يُروّج إعلاميا عن لقاءات انتخابية أو تفاهمات كبرى أقرب إلى الرسائل السياسية منه إلى الوقائع، إذ ترى المصادر ان ما يشاع هو عبارة عن رسائل موجّهة إلى داخل تيار المستقبل، مفادها أن خوض الانتخابات ليس قرارا معزولا عن التوازنات الخارجية وتحديدا الموقف السعودي الواضح من التيار ورئيسه، وأن أي عودة إلى الحياة السياسية ستُقاس بميزان الربح والخسارة لا بالعواطف.
كما تعتبر المصادر أن ما جرى رسالة ايضا إلى الحزب مفادها أن التيار، حتى وهو مفكك تنظيميا، لا يمكن اعتباره خارج التوازنات العربية في لبنان.
بالمقابل لم يكن حزب الله سعيدا بردة فعل امين عام تيار المستقبل احمد الحريري، ولو انه بمكان ما سيكون متفهما للوضع بتشعباته والضرورات التي تحكم خطاب التيار، خصوصا على ابواب انتخابات نيابية سيكون فيها من يسعى لمنع اي طرف سني من التحالف مع حزب الله، وهنا سيبرز دور الرئيس نبيه بري الذي قد يلعب دورا بارزا في هذا الخصوص، تحديدا في الدوائر التي يكون فيها نائب الثنائي منتميا لحركة امل.
في المحصلة، العلاقة بين التيار والحزب بحدودها الدنيا اليوم هي علاقة الضرورة الوطنية، وعلاقة الحد الأدنى لا الشراكة، فلا قطيعة كاملة ولا تحالف مستحيل بظل الوضع الداخلي والاقليمي، وبالتالي هي علاقة محكومة بواقع لبناني مأزوم، وبقناعة مشتركة وإن كانت غير معلنة بأن إدارة الخلاف، مهما كانت باردة، تبقى أقل كلفة من فتح أبواب المواجهة.