فبعد مأساة انهيار مبنى باب التبانة قبل يومين، وما خلّفته من صدمة في نفوس الطرابلسيين، تعود المخاوف اليوم لتفرض نفسها بقوة مع تسجيل حالة إخلاء جديدة لمبنى سكني في منطقة القبة، في ظل واقع إنشائي متردٍّ وبنية تحتية مهترئة تعود لعشرات السنين.
إخلاء مبنى كبّارة في القبة
يجري منذ مساء امس إخلاء مبنى يُعرف باسم مبنى كبّارة في منطقة القبة – طرابلس، حيث تجمّع السكان في الخارج بحالة من القلق والخوف، خشية انهياره وتكرار مأساة باب التبانة التي لا تزال حاضرة في الأذهان، وسط اصرار على عدم الاخلاء، حيث حصلت مواجهة كلامية بينهم وبين القوى الأمنية التي منعتهم من العودة إلى المبنى.
ويؤكد أحد السكان لـ"RED TV" أنّه قبل نحو 15 يومًا، وُجّه إنذار بضرورة إخلاء المبنى، فتوجّه الأهالي إلى بلدية طرابلس حاملين رقم الطلب، إلا أنهم لم يلقوا أي تجاوب فعلي.
وفي محاولة فردية، حضر مهندس متطوّع وقام بالكشف على المبنى، مؤكدًا أنّه بحاجة ماسة إلى ترميم عاجل، إلا أنّ الوضع ازداد سوءًا يوم أمس، بحسب ما يروي السكان، حيث بدأت الأعمدة الخرسانية بالتفجّر والتصدّع، ما دفع الأهالي إلى النزول فورًا إلى ملجأ المبنى لتفقّد الأساسات. وعلى إثر ذلك، تواصلوا مجددًا مع البلدية، التي حضرت إلى المكان وأجرت كشفًا ميدانيًا، قبل أن تطلب الإخلاء السريع والفوري.
خيم وليل في العراء
أمام هذا الواقع، اضطر السكان إلى نصب خيم في محيط المبنى، وبات عدد منهم ليلته في العراء، متسائلين إلى متى سيستمر هذا الوضع الإنساني الصعب، من دون أي خطة واضحة للإيواء أو التعويض.
أحد السكان تساءل بمرارة:"رئيس الحكومة قال حرفيًا إن هناك إغاثة وإيواء، لكن هذا الكلام ينطبق على المستأجر. أما المالك، فماذا يفعل؟ إذا قيل إن المبنى غير صالح للسكن ويجب إخلاؤه، فهذا يعني أنه متجه للهدم. المالك لا يستطيع بيع شقته ولا شراء بديل. إلى أين يذهب؟ هذا ما لم يُوضَّح".
وأضاف:" المستأجر قد يحصل على بدل إيواء بقيمة 250 مليون ليرة ويستأجر مكانًا آخر، لكن المالك ماذا يفعل؟ هذه رسالتنا إلى رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية: نريد توضيحًا رسميًا حول مصير المالكين، ومن يعوّض عليهم إذا هُدم المبنى".
حماية الممتلكات خوفًا من السرقة
وأشار السكان إلى أنّ العائلات قامت بتأمين النساء والأطفال عند أقاربهم، فيما بقي الشبان ينامون في الخيم أو داخل سياراتهم، ليس فقط خوفًا من الانهيار، بل أيضًا لحماية المبنى ومنع السرقة.
وقال أحد السكان: "أنا قضيت ليلتي في السيارة. أمّنت عائلتي، وبقيت هنا خوفًا من السرقة. أي شيء يُسرق لا قدرة لنا على تعويضه. حتى أوراق الملكية قمنا بحمايتها لإثبات حقنا أمام الدولة".
وأضاف: "أنا أملك شقة عشت فيها عمري كله. اليوم أين أذهب؟ هل يُعقل أن نُجبر على أن نصبح لاجئين داخل منطقتنا؟".
كرامة مهددة وعودة قسرية محتملة
وشدّد أحد المتحدثين على أنّ “أهل طرابلس لديهم عزة نفس”، قائلاً: "أمّنا على نسائنا أيامًا معدودة، لكن إلى متى؟ في النهاية سنُضطر للعودة إلى منازلنا ولو كانت مهددة، لأن لا بدائل لدينا".
وأوضح آخر: "البلدية طلبت منا الإخلاء، وعلى الرأس والعين، لكن على أي أساس نُخلي من دون أن تقدّم لنا الدولة أي بديل؟ مجرد القول "أخلوا" على الهواء لا يكفي".
إهمال مزمن وخطر مضاعف
وقال أحد الجيران:" هذا الإهمال هو نتيجة تراكمات عمرها عشرات السنين. نطالب منذ أكثر من 45 سنة. هذه الأبنية عمرها أكثر من 60 سنة، ولم تُرمَّم. اليوم هؤلاء الناس أين يذهبون؟".
وأشار إلى خطر إضافي يتمثل في أنّ المبنى يضم غرفة الكهرباء الرئيسية للشارع، ما يعني أنّ أي انهيار محتمل قد يؤدي إلى كارثة أكبر تطال المنطقة بأكملها.
وختم قائلاً:"هذه المنطقة منكوبة منذ زمن. البنية التحتية مهترئة، والمياه تنزل إلى الملاجئ عند كل شتاء. تعبنا… والله تعبنا".
شهادة إنسانية موجعة
وفي شهادة مؤثرة، قال أحد السكان:" لدي ابنة من ذوي الإعاقة. لا أستطيع نقلها من مكان إلى آخر. وضعتها عند خالتها أيامًا، لكن إلى متى؟ نظرت إليّ وبكت وسألتني: ‘بابا شو نعمل؟’ وأنا لا أملك جوابًا".