"ليبانون ديبايت"
تأتي زيارة الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير إلى لبنان في 16 من الشهر الحالي في مرحلة دقيقة تشهدها المنطقة، على وقع التطورات الأمنية والسياسية المتسارعة في الجنوب، واستمرار التوترات المرتبطة بالوضع على الحدود، إضافة إلى الحراك الدولي المتزايد لإعادة ترتيب الأدوار والنفوذ في شرق المتوسط. وفي ظل هذا المشهد المعقّد، تتكثف الاتصالات الدبلوماسية والتحركات الدولية باتجاه بيروت، في محاولة لتثبيت الاستقرار ومنع انزلاق الأوضاع إلى مزيد من التصعيد.
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر مقرّبة من قصر بعبدا أن الرئيس الألماني، الذي يصل الاثنين الى بيروت في زيارة تستمر ليومين يلتقي خلال كبار المسؤولين ، سيعقد لقاءً رسميًا مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، حيث سيتم البحث في العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيز التعاون في مختلف المجالات، لا سيما في الشقين الأمني والعسكري. كما سيتناول البحث مستجدات الوضع في جنوب الليطاني وخطة انتشار الجيش اللبناني، في ضوء التطورات الأخيرة والجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار في المنطقة.
ومن المقرر أن يتفقد شتاينماير القوة البحرية الألمانية العاملة ضمن إطار قوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل"، في خطوة تحمل دلالات سياسية واضحة تعكس تمسّك برلين بدورها في لبنان، ورغبتها في الاستمرار بالمساهمة في حفظ الأمن البحري. وتبرز أهمية المشاركة الألمانية خصوصًا في ما يتعلق بضبط الحدود البحرية، إذ واصلت القوة الألمانية أداء مهامها في منع عمليات التهريب، لا سيما تهريب السلاح عبر البحر، ما يشكل عنصرًا أساسيًا في منظومة الاستقرار جنوبًا.
وتشير المعطيات إلى أن برلين أبدت في الفترة الأخيرة رغبة واضحة في تثبيت حضورها في لبنان ضمن إطار ضبط الحدود البحرية، وهو ما سيُطرح خلال المحادثات مع الرئيس عون. وتتمحور النقاشات حول ثلاث صيغ محتملة: إما عبر اتفاقات ثنائية مباشرة بين لبنان وألمانيا، أو من خلال اتفاق مع الاتحاد الأوروبي ككل، أو في إطار الأمم المتحدة ولكن وفق اتفاق مختلف عن الصيغة الحالية، وبصلاحيات ومهام أوسع من تلك المعتمدة راهنًا.
وتندرج الزيارة كذلك ضمن مسعى ألماني لتعزيز دور الاتحاد الأوروبي في المنطقة، في موازاة الجهود الفرنسية المستمرة، وفي ظل ما يُنظر إليه كمحاولة لموازنة النفوذ الأميركي المتقدّم في المنطقة برمتها، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بالموقف الإسرائيلي الساعي إلى حصر الأدوار الدولية بالإطار الأميركي.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن اللقاءات المرتقبة ستتطرق أيضًا إلى آفاق التعاون الاقتصادي والدعم الأوروبي للبنان في هذه المرحلة الحساسة، حيث تسعى برلين إلى تأكيد التزامها باستقرار لبنان، انطلاقًا من قناعة أوروبية بأن أي اهتزاز أمني أو سياسي في بيروت ستكون له تداعيات مباشرة على المنطقة وعلى أوروبا نفسها.
وعليه، تحمل زيارة شتاينماير أبعادًا تتجاوز الطابع البروتوكولي، لتشكل محطة سياسية وأمنية بارزة في سياق إعادة رسم ملامح الحضور الدولي في لبنان، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.